طول 8 سنين

طول 8 سنين، أخطر وأرعب زعيم مافيا في نيويورك ماكانش بيعرف ياكل غير الشوربة، بسبب وجع ضرس جنّنه، وكل الدكاترة اللي راح لهم فشلوا إنهم يعالجوه.
وفي يوم، وصلت لفيلا محصنة بالحراسة والسلاح، لابسة بالطو طبي أزرق باهت، عشان أعالج الراجل ده. أول ما دخلت، ستة رجالة مسلحين انفجروا في الضحك، لما عرفوا إن دكتورة أسنان شابة، شكلها على قد حالها، جاية تعالج زعيمهم اللي اسمه لوحده كان بيخوف رجالة البلد كلها!
بس لما طلبت من سلفاتوري لومباردي يفتح بقه، حصلت حاجة محدش كان يتخيلها… الراجل اللي محدش يقدر يبص في عينيه من غير ما يرتعش، نفّذ كلامي من غير ما ينطق بحرف!
وبعد ساعات، لما قدرت أطلع قطعة معدن صغيرة من ضرسه التالف، أخوه الأصغر اتسحب الدم من وشه، وبقى شاحب زي الميت… لأن القطعة دي ممكن تكون أخيرًا المفتاح اللي يكشف مين اللي حاول يقتل ملك المافيا من 8 سنين!
اسمي الدكتورة لينا روسي، عندي 31 سنة، وقبل ما أقابل سلفاتوري لومباردي بثلاث أيام بس، كنت على بُعد ست أيام من إني أخسر عيادة الأسنان بتاعة أبويا.
أبويا الله يرحمه قضى 27 سنة من عمره وهو بيبني العيادة دي، وحط فيها كل تعبه وفلوسه وحياته.
وبعد ما مات، عملت كل اللي أقدر عليه عشان أحافظ على شغله وماخليش حلمه يضيع.
بعت عربيتي.
وصرفت كل تحويشة عمري.
وبطلت حتى آخد مرتب لنفسي.
لكن الإيجار اتراكم، وصاحب العقار خلاص بطل يقبل مني أعذار أو وعود بالسداد.
كنت حاسة إن كل حاجة بتضيع من إيدي، ومش عارفة أعمل إيه.
لحد ما في يوم، دخل عليّا اتنين رجالة لابسين بدل سودا غالية، وشكلهم يقول إنهم مش جايين يشتروا معجون أسنان!
واحد منهم قال بلهجة جادة
إحنا محتاجين دكتورة أسنان.
رديت وأنا بحاول أبان طبيعية
يبقى إنتوا جيتوا المكان الصح.
بصلي الراجل الطويل وقال
الشخص اللي محتاجينك تعالجيه ما بيخرجش من بيته.
قلتله وأنا بشاور على أجهزة العيادة
دي مشكلة، لأن الأجهزة بتاعتي مش بتخرج من هنا عادةً.
الراجل مد إيده وحط ظرف على المكتب.
وقال ببرود
عشرة آلاف دولار مقابل زيارة واحدة في البيت.
فضلت باصة للظرف ثواني، مش مصدقة الرقم اللي سمعته.
وبعدين رفعت عيني وسألته
مين المريض؟
رد من غير أي مقدمات
سلفاتوري لومباردي.
حسيت إن معدتي اتقبضت، وقلبي نزل في رجلي.
الاسم ده كان معروف لكل واحد في بيلهافن، المدينة اللي عايشين فيها.
سلفاتوري لومباردي كان عنده 46 سنة، وسيم بشكل يخطف العين، لكن ملامحه كانت كفيلة تخلي أي حد يفكر ألف مرة قبل ما يقرب منه.
كان زعيم المافيا اللي الناس بتسميه الملك الأسود.
كان مسيطر على شركات شحن، وكازينوهات، وشركات أمن خاصة، وعنده نفوذ يخلي ناس كتير من أصحاب المناصب الكبيرة يحسبوا له ألف حساب.
وكانت فيه حكاية قديمة الناس لسه بتتكلم عنها لحد النهارده.
من 8 سنين، اتعرض لكمين مسلح في المينا.
تلاتة ماتوا في الليلة دي، وسلفاتوري نفسه نجا بأعجوبة من الموت.
لكن من يومها، ما بقاش بيثق في حد زي الأول.
والأغرب من كل ده، إنه من بعد الحادثة دي، بقى يعاني من وجع رهيب في ضرسه، لدرجة إنه ما بقاش قادر ياكل أي أكل ناشف، وعاش سنين طويلة معتمد على الشوربة والحاجات السائلة.
دكاترة كتير حاولوا يعالجوه، لكن محدش عرف يحل المشكلة.
كنت عارفة إن التعامل مع شخص زيه ممكن يورطني في مصيبة أنا في غنى عنها.
لكن عشرة آلاف دولار كانوا كفاية ينقذوا عيادة أبويا من القفل.
فوافقت.
لما وصلت الفيلا بتاعته، حسيت من أول لحظة إني دخلت عالم تاني خالص.
سور عالي، وبوابات حديد ضخمة، وكاميرات مراقبة في كل ركن، ورجالة مسلحين واقفين في كل حتة.
نزلت من العربية، وشلت شنطة أدواتي، لكن قبل ما أخطو خطوة واحدة لجوه، وقفني اتنين من الحراس وفتشوا الشنطة بكل دقة.
واحد منهم بصلي من فوق لتحت، وبعدين بص لزميله وهو بيضحك.
وقال بسخرية
هي دي الدكتورة اللي جاية تعالج الباشا؟ دي شكلها لسه بتعالج عيال في ابتدائي!
ضحكوا هما الاتنين، وواحد تالت انضم ليهم.
ابتسمت بكل هدوء وقلت
صدقني، عيال ابتدائي بيتعاونوا مع الدكتور أكتر من رجالة كتير أعرفهم.
الضحك علي صوت أكتر، لكن واضح إن ردي ما عجبهمش أوي.
وقبل ما حد فيهم يرد، ظهر راجل في أواخر التلاتينات، لابس بدلة فخمة وساعته أغلى من تمن عيادتي كلها.
كان كارمين لومباردي، الأخ الأصغر لسلفاتوري.
بص على هدومي البسيطة، وبعدين على شنطة الأدوات اللي في إيدي، وابتسم ابتسامة مستفزة.
يا رب تكوني فعلًا فاهمة إنتِ بتعملي إيه يا حلوة.
بصيتله وقلت
وعشان كده إنتوا طلبتوا دكتورة أسنان، مش مهرج يسلّيكم.
ابتسامته اختفت في ثانية.
وبان على وشه إنه مش متعود إن حد يرد عليه بالطريقة دي.
لكنه ما قالش حاجة، واكتفى إنه يشاورلي أمشي وراه.
بعد كام دقيقة، دخلت مكتب سلفاتوري الخاص.
كان قاعد على كرسي جلدي ضخم، وراه مكتبة كبيرة وشبابيك بتطل على حديقة واسعة.
راجل عريض الكتفين، شعره أسود دخل فيه شوية شيب، وملامحه حادة لدرجة إنك تحسي إنه قادر يعرف اللي في دماغك من غير ما تتكلمي.
كان شكله مرعب حتى وهو ساكت.
لكن أكتر حاجة لفتت نظري كانت عينيه.
كان فيه وجع واضح جواهم، غضب متراكم بقاله سنين، وحذر من كل شخص بيقرب منه.
قربت منه وفتحت شنطة الأدوات.
وقلتله
اتقال لي إن حضرتك بقالك 8 سنين مش قادر تاكل أكل عادي.
رد ببرود
الشوربة مكفّية.
بصيتله باستغراب.
الشوربة مش علاج يا أستاذ سلفاتوري.
رفع عينه ليا، وبصلي بنظرة خلت أي حد غيري يفكر يتراجع عن كلامه.
وقال بصوت منخفض لكنه مليان تهديد
خلي بالك من كلامك يا دكتورة.
لبست الجوانتي، وقلتله وأنا بجهز أدواتي
افتح بقك يا أستاذ سلفاتوري.
في اللحظة دي، كل الأصوات اللي في المكتب اختفت.
الحراس بصوا لبعض، وكأنهم مستنيين أشوف إيه اللي هيحصل لي بعد الجرأة دي.
كارمين نفسه ضحك ضحكة قصيرة، وقال
إنتِ عارفة إنتِ بتكلمي مين؟
لكن سلفاتوري ما ردش عليه.
فضل باصصلي لثواني طويلة، وأنا ما رجعتش خطوة لورا.
وبعدين، وسط ذهول كل الموجودين، فتح بقه فعلًا!
بدأت أفحص الضرس المصاب، واستخدمت الكشاف الصغير عشان أشوف مكان الألم بالتفصيل.
كان الضرس مكسور بشكل سيئ، والتلف وصل لدرجة كبيرة، والأنسجة اللي حواليه كانت ملتهبة.
لكن وأنا بفحص الأشعة، لاحظت حاجة غريبة جدًا.
كان فيه جسم معدني صغير ظاهر قريب من جذر الضرس.
في البداية افتكرت إنه مجرد تشويش في الصورة، فطلبت أشعة تانية.
لكن الجسم كان موجود في نفس المكان بالضبط.
قربت الشاشة مني، وفضلت أبص للصورة بتركيز.
وبعدين رفعت عيني لسلفاتوري وسألته
حضرتك اتصابت قبل كده في الناحية دي من وشك؟
ملامحه اتغيرت على طول.
من 8 سنين. في المينا.
سكت لحظة، وبعدين كمل
وقت الكمين.
كنت سمعت عن الحادثة دي قبل كده، لكن دي أول مرة أسمع تفاصيل من الشخص اللي عاشها بنفسه.
وقبل ما أسأله أي سؤال تاني، الباب اتفتح فجأة، ودخل كارمين.
بص للشاشة، وبعدين بصلي.
إنتِ بتبصي على إيه؟
رديت بهدوء
دي معلومات طبية خاصة بأخوك.
قرب خطوة وقال بنبرة آمرة
ورّيني الأشعة.
قفلت الشاشة جزئيًا وقلتله
ده قرار أخوك، مش قراري أنا.
ملامحه اتصلبت، لكنه ما ردش.
المشكلة إن عينيه كانت راحت للشاشة بالفعل.
ولثانية واحدة بس، شفت حاجة واضحة جدًا على وشه.
الخوف.
مش مجرد قلق، ولا استغراب.
ده كان خوف حقيقي، كأن الأشعة كشفت سر هو بيحاول يدفنه من سنين.
حاولت أتصرف كأني ما لاحظتش حاجة، ورجعت أكمل شغلي.
لكن جوايا، بدأت أحس إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد ضرس تالف.
سلفاتوري رفض تمامًا إنه يخضع لتخدير كلي، فاضطريت أشتغل بالتخدير الموضعي، وبأقصى درجات الدقة.
كان بيتحمل الألم من غير ما يشتكي، لكن كل شوية كنت ألاحظ إيده بتقبض على ذراع الكرسي بقوة.
بعد وقت طويل من الشغل، قدرت أفصل الضرس التالف وأخرجه.
حطيته على الصينية المعدنية المخصصة للأدوات، وبدأت أفحص مكان الخلع وأتأكد إن مفيش أي جزء متبقي.
وفجأة…
سمعت صوت خفيف جدًا.
تك!
بصيت ناحية الصينية.
كان فيه جسم معدني صغير وقع جنب الضرس.
اتجمدت مكاني.
قربت منه باستخدام الملقط، ورفعته بحذر.
كان عبارة عن قطعة معدن صغيرة جدًا، شكلها غير منتظم، وعليها آثار واضحة لتعرضها للضغط والتآكل على مدار سنين.
ما كانتش شبه أي مادة بنستخدمها في علاج الأسنان.
رفعت القطعة قدام الضوء، وبدأت أفحصها.
سلفاتوري لاحظ تعبير وشي، فقال بصوت حاد
دكتورة… إيه اللي لقيتيه؟
قبل ما أجاوبه، بصيت ناحية كارمين.
وكانت دي اللحظة اللي اتأكدت فيها إن فيه حاجة غلط.
كارمين، اللي دخل المكتب من شوية وهو بيتكلم بثقة وبيتصرف كأنه صاحب المكان، كان واقف من غير ما يتحرك.
وشه بقى أبيض تمامًا.
إيده اترعشت للحظة، وبعدها قبضها بقوة لدرجة إن مفاصل صوابعه

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *