طول 8 سنين

لمحة نيوز
ابيضّت.
بص للقطعة المعدنية، وبعدين بص لأخوه.
وهمس بصوت بالكاد اتسمع
مستحيل…
سلفاتوري لف ناحيته ببطء.
إنت قلت إيه؟
كارمين انتفض، وكأنه ما كانش متوقع إن حد يسمعه.
ولا حاجة. أنا بس… مستغرب.
لكن صوته كان بيترعش.
وأنا كنت متأكدة إن الراجل ده مش مستغرب.
هو كان مرعوب.
لسه ما كنتش عارفة طبيعة القطعة المعدنية دي بالضبط، ولا إزاي وصلت لجسم سلفاتوري من 8 سنين، لكن إحساسي كدكتورة قال لي إن وجودها جوه الضرس مش طبيعي.
والأغرب إن كارمين كان بيتصرف كأنه عارف هي إيه.
بصيت لسلفاتوري، وقلتله
أستاذ سلفاتوري، أنا محتاجة أسألك سؤال مهم جدًا بخصوص اللي حصل ليلة إصابتك.
سكت المكتب كله.
سلفاتوري ثبت عينيه عليّا، وبعدين قال
اسألي.
رفعت القطعة المعدنية بالملقط، وقلت
يوم الكمين، حد قال لحضرتك إن الرصاصة اللي أصابتك خرجت من جسمك بالكامل؟
ملامحه اتغيرت.
بص لكارمين، وبعدين رجع بصلي.
الأطباء قالوا إن الرصاصة عدّت من جنب عظمة الفك، وإن شظايا صغيرة ممكن تكون فضلت في الأنسجة. لكنهم قالوا إنهم شالوا كل الأجزاء اللي قدروا يوصلوا لها.
سألته
وعمرك حسيت إن فيه جسم غريب جوه الضرس ده، حتى بعد ما الألم بدأ؟
رد بعد لحظة تفكير
الألم بدأ بعد الحادثة بأسابيع. كل دكتور كان بيقول سبب مختلف. محدش طلب أشعة بالشكل ده، ومحدش قدر يفسر ليه الوجع مستمر.
رفعت عيني ناحية كارمين.
كان بيبص للباب، كأنه بيحسب المسافة بينه وبينه.
وقتها فهمت إن المشكلة مش في القطعة المعدنية وحدها.
المشكلة في السر اللي كانت شايلة أثره.
قربت من سلفاتوري، وقلت بصوت منخفض
أستاذ سلفاتوري، أنا مش متأكدة لسه من طبيعة القطعة دي، لكن واضح إنها ممكن تكون مرتبطة بالحادثة القديمة. والأهم من ده… إن أخوك شكله عارف عنها أكتر مني ومنك.
كارمين رجع خطوة لورا.
وسلفاتوري ما شالش عينه من عليه.
ولأول مرة من ساعة ما دخلت الفيلا، حسيت إن الراجل اللي المفروض يكون أخطر شخص في الغرفة مش هو اللي لازم أخاف منه.
لأن الشخص اللي واقف قدامي، واللي المفروض يكون أقرب الناس لسلفاتوري، كان واضح إنه خايف من حاجة واحدة بس إن الحقيقة أخيرًا هتظهر.
وما كنتش أعرف إن القطعة المعدنية الصغيرة دي مش بس ممكن تكشف مين حاول يقتل ملك المافيا من 8 سنين…
لكن كمان ممكن تقلب حياة كل شخص في الفيلا دي رأسًا على عقب.
القطعة المعدنية اللي فضحت أخطر خائن في إمبراطورية المافيا!
كارمين كان لسه واقف قدامي، وشه أبيض، وعرق بارد نازل على جبينه، بينما أخوه سلفاتوري بيبص له بنظرة عمري ما شفت زيها.
ماكانش محتاج يزعق، ولا يرفع سلاحه، ولا حتى يقوم من مكانه.
مجرد نظرة واحدة منه كانت كفاية تخلي أي راجل يفكر مرتين قبل ما يكذب.
قال سلفاتوري بصوت هادي بشكل مرعب
كارمين، إنت عرفت منين إن القطعة دي مستحيل تكون موجودة؟
كارمين بلع ريقه، وحاول يضحك.
إنت مكبّر الموضوع يا سلفاتوري. دي مجرد حتة معدن وقعت من ضرسك. الدكتورة نفسها مش عارفة هي إيه!
رد سلفاتوري من غير ما يبعد عينه عنه
أنا ما سألتكش هي إيه. أنا سألتك عرفت منين؟
الصمت اللي نزل على المكتب كان تقيل لدرجة إني سمعت صوت ساعة الحيطة بوضوح.
كارمين بصلي بغضب، وكأنه بيحمّلني مسؤولية المصيبة اللي بدأت تتكشف.
وبعدين قال لأخوه
إنت تعبان، والوجع مأثر على أعصابك. خلينا نسيب الدكتورة تخلص شغلها، وأنا هجيب لك دكتور تاني يفحص القطعة دي.
سلفاتوري ابتسم ابتسامة صغيرة، لكن ماكانش فيها أي دفء.
دكتورة لينا، ممكن تستنيني برّه شوية؟
كنت عارفة إنه محتاج يتكلم مع أخوه لوحدهم، فبدأت ألم أدواتي.
لكن قبل ما أخرج، سمعت صوته ورايا
محدش يلمس الصينية دي. ومحدش يخرج من الفيلا لحد ما أقول.
وقفت لحظة عند الباب.
بصيت ناحية كارمين.
كان بيبصلي بنظرة خلتني أحس إن خروجي من المكتب مش معناه إن الخطر انتهى.
بالعكس.
كان واضح إن اللي جاي أخطر بكتير.
بعد حوالي عشر دقايق، واحد من الحراس وصلني لأوضة صغيرة جنب المكتب، وقال لي إن سلفاتوري هيطلبني لما يحتاجني.
قعدت على طرف الكنبة، وبصيت للساعة.
كنت المفروض أكون خلصت شغلي، قبضت فلوسي، ورجعت عيادتي.
لكن بدل ما أكون بفكر في إيجار العيادة، لقيت نفسي بفكر في قطعة المعدن، وفي الرعب اللي ظهر على وش كارمين.
طلعت تليفوني، وبعت رسالة لصديقتي الوحيدة اللي كانت عارفة إني جاية الفيلا
أنا خلصت العلاج تقريبًا. لو ما كلمتكيش خلال ساعتين، اتصلي بالمحامية بتاعتي واسأليها تعمل إيه.
ما كنتش عارفة إذا كان ده خوف زيادة عن اللزوم، ولا إحساسي كان في مكانه.
بعدها بدقايق، دخلت ست كبيرة في السن، لابسة زي العاملات في الفيلا، وحطت قدامي كباية مية.
قالت بصوت واطي
إنتِ الدكتورة اللي طلعت الحاجة من ضرس الباشا؟
هزيت راسي.
بصت ناحية الباب قبل ما تقرب مني.
يبقى لازم تعرفي حاجة، قبل ما حد يحاول يقنعك إن اللي حصل ده مجرد صدفة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
تعرفي إيه؟
الست طلعت من جيبها ظرف ورقي صغير، وحطته في إيدي.
أنا اسمي أمينة. بشتغل هنا من قبل الحادثة بسنين. وفي الليلة اللي اتضرب فيها الباشا، شفت حاجة ماكانش المفروض أشوفها.
بصيت للظرف.
كان عليه تاريخ قديم، من نفس الأسبوع اللي حصل فيه الكمين.
سألتها
إيه اللي شوفتيه؟
لكن قبل ما تجاوب، سمعنا خطوات بتقرب.
أمينة اتراجعت بسرعة، وقالت بصوت مرتعش
ما تثقيش في أي حد يقول لك إنه بيحميكي لمجرد إنه قريب من الباشا.
وبعدها خرجت من الباب الجانبي، واختفت قبل ما أعرف أسألها أي سؤال تاني.
فتحت الظرف.
لقيت جواه صورة قديمة بالأبيض والأسود، باين فيها سلفاتوري وهو واقف جنب عربية عند المينا.
وعلى طرف الصورة، كان فيه راجل تالت، وشه مش واضح بسبب ظل عمود إنارة.
لكن اللي شد انتباهي ماكانش الراجل.
كان فيه حاجة معدنية صغيرة معلقة في سلسلة مفاتيح في إيده.
نفس الشكل تقريبًا اللي شفته في القطعة اللي طلعتها من ضرس سلفاتوري.
قلبت الصورة.
ولقيت جملة مكتوبة بخط مرتعش
الرصاصة ما كانتش موجهة لسلفاتوري وحده. الليلة دي كان فيه اتفاق، والاتفاق اتغيّر في آخر لحظة.
وقبل ما أستوعب معنى الجملة، الباب اتفتح بعنف.
كان كارمين.
بص للصورة في إيدي، واتبدلت ملامحه فورًا.
إنتِ جبتي الصورة دي منين؟
قمت من مكاني.
واحدة من العاملات ادتهالي.
مد إيده ناحيتي.
هاتيها.
رجعت خطوة لورا.
لأ. مش قبل ما أفهم إيه اللي بيحصل هنا.
وشه اتغير تمامًا.
ولأول مرة، شفت الجانب الحقيقي من الراجل اللي كان طول الوقت بيحاول يبان هادي وواثق.
قال بصوت منخفض
إنتِ دكتورة أسنان. مهمتك تخلّصي علاجك وتمشي. لو عايزة تحافظي على عيادتك، وعلى حياتك كمان، انسي كل اللي شوفتيه النهارده.
قبل ما أرد، ظهر صوت سلفاتوري من خلفه
ابعد عنها يا كارمين.
كارمين اتجمد.
سلفاتوري كان واقف عند الباب، وفي إيده عصاية خفيفة بيسند عليها بسبب الألم اللي عاش معاه سنين.
لكن عينيه كانوا ثابتين، وملامحه مافيهاش أي تردد.
قال لأخوه
أنا سمعت آخر جملة. وعايزك تشرح لي إنت بتخوف الدكتورة ليه.
كارمين رفع إيده كأنه بيحاول يهدي الموقف.
أنا بحاول أحميك! إنت مش فاهم إن فيه ناس ممكن تستغل اللي حصل؟
سلفاتوري رد
اللي حصل من تمان سنين، ولا اللي بيحصل دلوقتي؟
كارمين سكت.
وفي اللحظة دي، سلفاتوري مد إيده ناحيتي.
الدكتورة لينا، ممكن آخد الصورة؟
ناولته الصورة.
فضل يبص لها مدة طويلة، وبعدين قعد ببطء على أقرب كرسي.
ولأول مرة، ملامحه ماكانتش ملامح زعيم مافيا.
كانت ملامح راجل اكتشف إن حياته كلها ممكن تكون مبنية على كذبة.
همس
أنا أعرف الصورة دي.
بص لكارمين.
وإنت كمان تعرفها، صح؟
كارمين ما ردش.
سلفاتوري رفع عينه وقال
الراجل اللي في الصورة اسمه نادر. كان مسؤول عن تأمين شحنة في المينا ليلة الكمين. وبعد الحادثة اختفى، وكل الناس قالت إنه مات.
سكت لحظة، وبعدين أضاف
لكن أنا عمري ما لقيت جثته.
بصيت للصورة مرة تانية.
لو نادر كان لسه عايش، فممكن يكون هو الشخص اللي يعرف الحقيقة.
لكن السؤال الأهم كان ليه كارمين خاف من الصورة بالشكل ده؟
في نفس الليلة، سلفاتوري أمر رجاله يدوروا على أمينة، لكن ماكانش عايز حد يأذيها أو يضغط عليها.
أما أنا، فكنت عايزة أرجع بيتي.
مش لأن فضولي انتهى، لكن لأنني بدأت أفهم إن كل دقيقة بقضيها في الفيلا دي بتدخلني أعمق في حكاية أكبر مني.
قلت لسلفاتوري بصراحة
أنا عملت اللي جيت عشانه. ضرسك اتشال، والعلاج الأساسي خلص. أنا محتاجة أرجع عيادتي.
بصلي باهتمام.
حقك. وهتاخدي أجرك كامل.
مد إيده لواحد من رجاله، وبعد لحظات حط الراجل ظرفًا على الطاولة.
لكن سلفاتوري ما دفعوش ناحيتي فورًا.
قال
قبل ما تمشي، عايز أسألك سؤال واحد. هل تقدري تفحصي القطعة المعدنية دي عند جهة مستقلة، وتعرفي طبيعتها؟
فكرت لحظة.
أنا دكتورة أسنان،