طول 8 سنين

مش خبيرة أسلحة. كنت أقدر أوصف شكل القطعة، وأحدد مكانها في الضرس، لكن ما ينفعش أدّعي إني أقدر أحدد مصدرها من غير فحص متخصص.
قلتله
أقدر أوثّق اللي شوفته في الأشعة، وأثبت إنها كانت موجودة في الضرس. لكن تحديد نوع المعدن ومصدره محتاج خبير مستقل، وممكن يحتاج فحص جنائي متخصص.
هز راسه.
تمام. مش هطلب منك أكتر من كده.
وبعدين بص في عيني وقال
لكن لو وافقتي تساعديني في الجزء الطبي، هتكوني بتساعديني أعرف الحقيقة اللي عشت تمان سنين بدفع تمنها.
سألته
وليه أنا بالذات؟
رد بعد لحظة صمت
لأنك الوحيدة اللي دخلت المكتب ده النهارده، وما خفتيش تقولي لي إن الشوربة مش علاج.
ابتسمت رغم توتري.
أنا فعلًا ما كنتش خايفة من الضرس.
لأول مرة، ضحك سلفاتوري ضحكة حقيقية، ولو قصيرة.
لكن الضحكة اختفت لما دخل أحد الحراس وأخبره إن أمينة مش موجودة في غرفتها.
كانت اختفت من الفيلا.
وتركت وراها سرًا ممكن يدمّر العائلة كلها.
في اليوم التالي، رجعت عيادتي وأنا معايا فلوس تكفيني أسدد الإيجار المتأخر، وأشتري مستلزمات جديدة، وأدفع مرتبي لنفسي لأول مرة من شهور.
كان المفروض أكون مبسوطة.
لكن صورة نادر ما فارقتش خيالي.
وفي حوالي الساعة الرابعة عصرًا، وصلني اتصال من رقم مجهول.
رديت بحذر.
جالي صوت راجل كبير في السن
الدكتورة لينا روسي؟
أيوه، مين معايا؟
اسمي نادر. وأعتقد إنك شوفتي صورة ليا امبارح.
حسيت بقلبي بيدق بعنف.
إنت فين؟
في مكان آمن، لكن مش لفترة طويلة. لازم تسمعي الحقيقة قبل ما كارمين يوصل لي.
سألته
إنت تعرف إيه عن القطعة المعدنية؟
سكت ثواني، وبعدها قال
القطعة دي مش مجرد شظية عادية. ولو طلعت هي اللي أنا فاكرها، يبقى فيه دليل مادي إن الكمين اللي حصل من تمان سنين ماكانش مجرد محاولة اغتيال فاشلة.
مين اللي دبّر الكمين؟
رد بصوت خافت
كارمين.
اتجمدت في مكاني.
لكن نادر كمل بسرعة
ما تستعجليش الحكم. أنا عندي أدلة، بس مش كلها. والأخطر إن فيه شخص تاني كان متورط، وشخص ده سلفاتوري وثق فيه أكتر من أي حد.
سألته
مين؟
قبل ما يرد، سمعت صوت خبطة قوية عنده.
وبعدها صوت حاجة وقعت على الأرض.
ثم انقطع الخط.
حاولت أتصل بالرقم تاني، لكنه كان مقفول.
في اللحظة دي، فهمت إن الموضوع ما بقاش مجرد فضول أو رغبة في مساعدة مريض.
فيه شخص بيحاول يمنع الحقيقة من الظهور.
والشخص ده مستعد يعمل أي حاجة عشان ينجح.
اتصلت بسلفاتوري فورًا، وحكيت له كل اللي حصل.
ما قاطعنيش مرة واحدة.
ولما خلصت، سألني
قال لك إنه عنده أدلة؟
أيوه.
وذكر اسم كارمين؟
أيوه.
فضل ساكت لحظات، وبعدها قال
ابعتي لي رقم الاتصال. وما تحاوليش تتواصلي معاه لوحدك تاني.
سألته
إنت مصدقه؟
رد بصوت مكسور لأول مرة
أنا مش عارف أصدق مين.
وبعدين قفل الخط.
بعد أقل من ساعة، بعت لي رسالة فيها عنوان لمكان عام، وطلب مني أقابله هناك في وجود محامي مستقل.
لما وصلت، لقيته قاعد في أوضة اجتماعات خاصة، قدامه رجل في الخمسينات اسمه فؤاد منصور، محامي متخصص في القضايا الجنائية.
سلفاتوري كان مصمم إن أي دليل يتجمع بطريقة قانونية، بعيد عن رجاله وعن نفوذ العائلة.
قال لي فؤاد
إحنا محتاجين نعرف إذا كانت القطعة دي ممكن تتفحص رسميًا، من غير ما حد يقدر يطعن في سلامة الدليل أو طريقة الحصول عليه.
شرحت له بالتفصيل اللي حصل أثناء العلاج، ووافقت أقدم تقرير طبي دقيق، مع صور الأشعة وتوثيق عملية الخلع.
أما القطعة نفسها، فاتنقلت لفحص مستقل بموافقة سلفاتوري، مع تسجيل كل خطوة في استلامها وتسليمها.
كنت عارفة إن ده مش هيحل اللغز لوحده، لكنه على الأقل هيمنع حد من ادعاء إننا اخترعنا دليلًا من العدم.
بعد يومين، وصل التقرير الأولي.
والنتيجة كانت أغرب من توقعاتنا.
القطعة ما كانتش شظية من رصاصة تقليدية.
كانت جزءًا من مكوّن معدني دقيق مرتبط بآلية تثبيت في جهاز تفجير قديم، من النوع اللي كان بيُستخدم في تجهيز شحنات معينة قبل ما تتنقل في الميناء.
لكن التقرير أكد كمان إن القطعة وحدها ما تكفيش لتحديد الجهاز الأصلي أو إثبات مين استخدمه.
سلفاتوري قرأ التقرير مرتين.
وبعدين رفع عينه للمحامي.
يعني الكمين كان متجهز له؟
فؤاد رد بحذر
ده احتمال، لكن لسه محتاجين أدلة تانية تربط القطعة بالحادثة وبالأشخاص المتورطين.
سلفاتوري قبض إيده.
يبقى هنجيب الأدلة التانية.
لكن قبل ما يبدأ أي تحرك، دخل المحامي المساعد ومعاه ملف قديم وصل من أرشيف شركة الشحن اللي كانت بتتعامل مع المينا وقت الحادثة.
كان فيه سجل شحنة اتلغت قبل الكمين بساعات.
والشحنة دي كانت مسجلة باسم شركة وهمية، لكن التوقيع اللي وافق عليها كان توقيع كارمين لومباردي.
وفي الهامش، كان فيه توقيع تاني.
توقيع رجل كان سلفاتوري يثق فيه ثقة عمياء.
رئيس أمنه الشخصي، ريكاردو فيرّيتي.
سلفاتوري فضل باصص للتوقيع كأنه مش قادر يصدقه.
ريكاردو كان صاحبه من أيام الشباب، والراجل اللي أنقذه في أكتر من مواجهة.
كان هو اللي وقف جنب سلفاتوري في المستشفى بعد الكمين، وهو اللي أقنعه إن كل اللي حصل مجرد خيانة من منافسين في عالم الجريمة.
وكان هو كمان اللي اختار فريق الحراسة الجديد بعد الحادثة.
سلفاتوري همس
ريكاردو كان معايا في المينا الليلة دي.
فؤاد سأله
هل عندك دليل إنه كان متورطًا؟
سلفاتوري هز راسه ببطء.
لأ. لكن عندي دليل إنه كذب عليّا.
في اللحظة دي، تليفونه رن.
كان ريكاردو.
سلفاتوري رد، وحط المكالمة على مكبر الصوت.
جاله صوت الرجل الواثق
سيدي، وصلني إنك بتراجع سجلات الشحن القديمة. فيه مشكلة؟
سلفاتوري بص للمحامي، وبعدها قال
لأ. مجرد مراجعة روتينية.
ريكاردو ضحك.
كويس. بالمناسبة، فيه اجتماع مهم بكرة مع شركائنا. لازم تكون موجود.
هكون موجود.
قفل المكالمة.
وبعدين بص لفؤاد.
عايز كل حاجة تتعمل قانوني. محدش يلمسه، ومحدش يهدده. لو هو بريء، هعرف. ولو مذنب، مش هسمح له يهرب من الحساب.
كانت دي أول مرة أشوف فيها سلفاتوري بيختار الحقيقة على الانتقام.
لكن ريكاردو كان أذكى من إنه يسيبهم يكتشفوا الباقي بسهولة.
في نفس الليلة، اختفت ملفات إضافية من أرشيف الشركة، وحاول شخص مجهول يدخل على نظام الكاميرات في الفيلا.
ولولا إن فريق التقنية اكتشف المحاولة بدري، كان ممكن تسجيلات ليلة الكمين تختفي للأبد.
لكن الخطأ اللي ارتكبه ريكاردو كان أكبر من كل احتياطاته.
لأنه نسي إن أمينة كانت محتفظة بنسخة من تسجيل قديم.
بعد ثلاثة أيام، ظهرت أمينة من جديد.
اتصلت بالمحامي فؤاد، وطلبت مقابلته في مكان عام، بعيد عن الفيلا وعن أي شخص ممكن يراقبها.
كانت مرعوبة، لكنها قررت تتكلم بعد ما عرفت إن لينا وسلفاتوري بيدوروا على الحقيقة.
لما قعدنا معاها، حطت قدامنا فلاشة صغيرة، ومعاها دفتر قديم.
وقالت
أنا خبيت التسجيل ده من سنين، لأني كنت خايفة على ولادي. وقتها كنت بشتغل في غرفة المراقبة الخاصة بشركة الشحن، وسمعت كلام ماكانش المفروض أسمعه.
فؤاد سألها
التسجيل فيه إيه؟
ردت
مكالمة بين كارمين وريكارودو، قبل الكمين بساعات.
سلفاتوري كان قاعد من غير ما يتحرك.
قال لها
شغّليه.
فتحت اللابتوب، وبدأ التسجيل.
في البداية، كان الصوت مشوشًا، لكن الكلام بدأ يتضح تدريجيًا.
سمعنا صوت كارمين
إنت متأكد إن كل حاجة جاهزة؟
وبعدها صوت ريكاردو
كل حاجة هتخلص في المينا. سلفاتوري مش هيعرف إن الشحنة اتغيرت، ولما الانفجار يحصل، محدش هيقدر يثبت إننا كنا هناك.
صوت كارمين رجع تاني
أنا مش عايز موته وبس. أنا عايز كل اللي باسمه يبقى تحت إيدي.
ثم جاء صوت ريكاردو
وأنا عايز حصتي. ما تنساش إن الخطة دي من غيري ما كانتش هتنجح.
التسجيل استمر ثواني إضافية، وفيه كلام عن تغيير مسار الشحنة، لكن جزءًا من الصوت كان غير واضح.
وبعدها انتهى.
ماحدش اتكلم.
سلفاتوري كان باصص للشاشة، وعينيه ثابتة على آخر صورة ظهرت فيها بيانات الملف.
ثم قال بصوت هادي
تمان سنين.
وسكت لحظة.
تمان سنين وأنا بدور على الشخص اللي حاول يقتلني، والراجل اللي كنت بسيبه يدخل أوضتي من غير تفتيش كان واحد منهم.
أمينة بدأت تعيط.
أنا آسفة يا سيدي. كنت خايفة.
سلفاتوري بص لها، وبعدها قال
إنتِ كنتِ خايفة على ولادك. أنا فاهم ده.
وبعدين التفت للمحامي.
عايز النسخة الأصلية تتسلم للجهات المختصة، ويتعمل فحص للصوت والملف. ما حدش يغيّر فيه حرف.
فؤاد هز راسه.
لكن قبل ما يقوم، قال
التسجيل مهم، لكنه مش كفاية وحده. محتاجين نربطه بسجلات الشحن، والتحويلات المالية، وأي دليل يثبت إن الكلام اتنفذ بالفعل.
سلفاتوري رد
هتلاقوا كل اللي تحتاجوه.
ثم نظر إلى أمينة.
هل عندك أي حاجة تانية؟
ترددت، وبعدها فتحت الدفتر القديم.
كان فيه تواريخ، وأرقام شحنات، وتحويلات مالية مكتوبة بخط اليد.
وفي آخر صفحة، اسم شركة صغيرة مسجلة باسم شخص مجهول.
لما المحامي راجع الاسم، اكتشف إن الشركة دي كانت بتستقبل تحويلات من حسابات مرتبطة بشركة ريكاردو الخاصة.
لكن المفاجأة الأكبر