زواج معلن بقلم الكاتبه نرمين عادل

كمل ووشه بيتعصر من الألم
الطريق كان مفتوح، وفجأة ظهرت قدامي عربية 128 قديمة، كانت ماشية بالراحة.. حاولت أتفاداها وأكسر بالدريكسيون، بس في اللحظة دي الفرامل خانتني.. لمست طرف العربية، وشوفتها في المراية وهي بتطير وتتقلب.
شهقت وحطيت إيدي على قلبي، وآدم كمل بدموع
موقفتش.. مكنتش واعي، كملت طريقي كأني هربان من نفسي. لما وصلت وكلمت نسرين وحكيت لها وأنا بنهار، ردت عليا بكل برود وقالت لي إنت مكبر الموضوع ليه؟ الغلط غلط السواق اللي ماشي بعربية سلحفاة في طريق مفروض تمشي فيه زي القطر.. الغلط مش غلطك، ده قضاء وقدر وهو اللي رما نفسه قدامك. فضلوا يقنعوني سنين إن ذنب محمود مش في رقبتي، بس قلبي كان بيقولي غير كدة.
بصيت له بذهول ودموعي نازلة
يعني إنت اللي قـ,ـتلته؟ إنت اللي رملتني ويتمت بنتي؟ وجاي دلوقتي تشتري سكوتي بجوازك؟
آدم قرب مني ووقع على ركبه قدامي
والله العظيم ما كنت بشتري سكوتك.. أنا من يومها بدور عليكي، ولما لقيتك في الفندق وشوفت حالتك وعرفت إن بنتك بتمـ,ـوت، حسيت إن ربنا بيديني فرصة أخيرة عشان أكفر عن ذنبي. ع
ضحكت بوجع وقهر
إنت كنت بتحمي نفسك يا آدم بيه! إنت خفت على برستيجك وعلى شكلك قدام الناس، فقررت تخليني مراتك عشان ضميرك يرتاح وفي نفس الوقت تفضل صورتك نظيفة.
آدم هز راسه بالرفض
لأ يا نورا.. أنا عرضت الجواز عشان أقدر أصرف عليكي وعلى ليلى بشرع الله، عشان تكوني تحت حمايتي قانوناً.. أنا عارف إن الفرق بيننا كبير، وعارف إنك سمعتي إني متجوز، بس جوازي من نسرين بقى جثة هامدة.. أنا عايز أصلح اللي انكسر، حتى لو التمن إني أعيش خدام تحت رجليكي إنتي وبنتك.
مسحت دموعي بقوة وقلت له بحدة
اللي عايز يكفر عن ذنبه، بيواجه العالم كله بالحقيقة. إنت عايز تتجوزني عشان ليلى متضيعش؟
آدم بص لي باستغراب يعني إيه؟ رديت عليه بكل قوة يعني لو عايزني أوافق، الجواز ده لازم يكون بعلم الكل.. ومرتك السطحية دي لازم تعرف إن السلحفاة اللي كانت بتستهزأ بيها، عندها أهل مابيبعوش حقهم بالفلوس.
آدم كان واقف قدام نورا، وجسمه كله بيترعش، وصوته طالع مخنوق بالدموع كأنه بيحاول يزيح جبل من الهموم كان كاتم على أنفاسه بقاله سنين.. بص في عينيها وقال بكسرة يا نورا، أنا مسبتكمش لحظة واحدة.. من يوم الحادثة وروحي بتطاردني في كل مكان. أنا اللي كنت ببعت لصاحب البيت الفلوس كل شهر وأحلفه مياخدش منكم مليم، وأفهمه إن ده كرم منه عشان خاطر ذكرى محمود الراجل الطيب.. أنا اللي سخرت رجالة مخصوص من شركتي وظيفتهم بس يراقبوا حالتك وحالة البنت من بعيد لبعيد.. ولما قدمتي في الوظيفة، أنا اللي وصيت عليكي بالاسم وخليت الإدارة تقبلك فوراً وتعملك استثناء، وكنت مانع أي حد ينطق باسمي.. كنت بحاول أسندك وأرمم اللي كسرته وأنا مستخبي في الضلمة، لأني مكنتش قادر أواجهك بوشي.
نورا كانت واقفة مذهولة، دموعها نازلة زي الشلال ومش قادرة تنطق، وآدم كمل بلهفة وكأنه بيستسمحها لما شوفتك قدامي في الفندق، وشوفت بعيني إخلاصك لراجل مات من سنين وصبرك وتعبك عشان بنتك، قلبي دق ليكي لا إرادياً.. اتمنيت من كل قلبي تكوني مراتي، بس مكنتش أقدر ألمس إيديكِ ولا أتمم الجواز ده قبل ما أصفي حسابي مع ربنا ومعاكي وأقولك الحقيقة.
نورا في اللحظة دي افتكرت كلام جارتها الحكيمة الست فردوس لما راحت اشتكت لها وخايفة من فرق المستوى ومن كلام الناس،والست فردوس قالت لها يا بنتي الجواز في الحلال سترة من عند ربنا، لا الشرع حرمه ولا القانون منع الجواز التاني طالما الراجل هيصونك، وافقي عشان ليلى تعيش عيشة كريمة وتلاقي اللي يسندها.
آدم مسح دموعه وكمل وهو بيحاول يطمنها أنا يا نورا معنديش أولاد من نسرين، ونفسي ليلى تكون بنتي بجد، وربنا يرزقنا بأخ أو أخت ليها يملوا علينا البيت.. أنا جهزتلك أحلى فيلا في الشيخ زايد وكتبتها باسمك بالكامل كضمان ليكي، وحطيت مبلغ كبير في البنك باسم ليلى عشان مستقبلها يكون متأمن مهما حصل.. بس قبل ده كله، أنا طالب سماحك.. أنا سألت شيخ وقال لي إن الدية ممكن تكون كفارة عن اللي حصل خطأ.
نورا ردت بصوت مكسور بس فيه وقار وحكمة الدية مش ليا لوحدي يا آدم.. محمود كان وحيد أبوه وأمه، وهما اللي انكسر ضهرهم بجد، وهما أولى بالدية دي.. حمايا راجل طيب وعايش على معاش بسيط مبيكفيهوش العلاج.
آدم انهار تماماً لما عرف إنه حطم أسرة بحالها ويتم طفلة ورمل ست وفجع قلب أب وأم.. وقبل ما المأذون يكتب الكتاب، أصر إنه ياخد نورا والشهود ويروحوا لبيت حماها وحماتها. كان بيت بسيط جداً وريحته طيبة، والأم كانت قاعدة في ركن والأسود مبيفارقش جسمها.. أول ما نورا دخلت، الأم حضنتها بحرقة وبستها، ولما نورا حكت لهم عن الراجل اللي عايز يتجوزها ويسترها هي وبنتها، الأم عيطت وقالت بصفاء يا بنتي إنتي عملتي معانا اللي مفيش مرات ابن تعمل في الدنيا.. شيلتينا في مرضنا وواستينا في حزننا، والجواز مش عيب، عيشي حياتك وإحنا راضيين عنك.
الجيران في الحارة أول ما شافوا العربية الفخمة وقفوا يسمعوا، وكبار السن من الجيران دخلوا وعملوا قعدة عرفية محترمة.. آدم قعد على الأرض قدام الأب والأم، ومسك إيديهم وبكى زي الطفل وهو بيطلب السماح.. الأب بص له بهدوء وقال يا ابني لو روحنا للبوليس واتسجنت، إحنا مش هنستفيد حاجة، ابني مش هيرجع.. لكن إنت دلوقتي هتستر أرملته وهتربي بنته اليتيمة.. أنا مش عايز فلوس، أنا بس نفسي قبل ما أيامي تخلص أروح أزور النبي أنا والست دي، نفسنا في حجة أو عمرة نقعد فيها جنب بيت الله الحرام.
آدم في اللحظة دي قعد تحت رجل الأب وباس إيده وحلف إنه هيفرهم فوراً ويطلعهم حج في أفخم مستوى، وعمره ما هيسيبهم ولا هيسيب نورا.. والمأذون كتب الكتاب في وسط دموع الكل، وكان الشاهد الأول هو أبو محمود نفسه، في مشهد قمة في الوفاء والنبل.
آدم م اكتفاش بكده، ده اتصل بالمساعد بتاعه وهو لسه في البيت وقال له فضي الفيلا اللي في الشيخ زايد من أي حد فوراً.. بابا وماما أهل محمود هيعيشوا معانا، وهكون ليهم بدل ابنهم اللي راح.
نورا راحت بقلب مطمن أخدت ليلى من عند الحجة فردوس وأخدت شنطة هدومها البسيطة، وطلعت مع آدم وجد وجدة بنتها للفيلا الجميلة.. لكن الفرحة كانت مستنية صدمة كبيرة. حد من الشغالين عند آدم كان عين لنسرين وبلغها بكل حاجة.. وأول ما نورا وآدم دخلوا من باب الفيلا وهما شايلين ليلى وجدها وجدتها، لقوا نسرين واقفة في نص الصالة، عينيها بتطلع شرار وشيطانها راكبها!
أول ما نسرين شافتهم داخلين من باب الفيلا، السكون اللي كان مالي المكان اتحول لإعصار.. صوتها زلزل الجدران، شتائم وزعيق وكلام زي السم كانت بترميه في وش الكل من غير تمييز. والغريب والمقزز في نفس الوقت، إن كلامها مكنش فيه ذرة حب لآدم أو غيرة ست على جوزها، كل اللي كان شاغل عقلها المريض هو شكلها قدام المجتمع والطبقة اللي بتنتمي ليها.. كانت بتصرخ بوقاحة وعينياها بتطق شرار
بقى أنا! نسرين هانم بنت الحسب والنسب، الجميلة اللي لفت دول العالم واتعلمت في أحسن مدارس وأرقى جامعات، تتجوز عليا دي؟! واحدة بسيطة ومستواها يدوب متوسط ولبسها غلبان وشكلها مبهدل؟ إنت اتجننت يا آدم؟ شكلي هيبقى إيه قدام صحباتي في النادي وفي الحفلات؟ يقولوا عليا إيه لما يعرفوا إن برستيجي اتهز وإنك بدلتني بواحدة خدامة كانت بتمسح وراك في الفندق؟
نسرين م اكتفتش باللسان الطويل، دي فقدت أعصابها تماماً وهجمت بجنون زي القطة السعرانة عشان تشد نورا من شعرها وتذلها وتكسر كرامتها قدام أهل محمود الغلابة.. لكن آدم كان أسرع منها بكتير، وقف قدامها زي السد المنيع، وفي لحظة صدق وقوة كان مأجلها بقاله سنين، ولأول مرة في حياته يحس إنه راجل وبياخد قرار صح، نزل بقلم قوي ومزلزل على وشها، قلم سكتها تماماً وخرس لسانها.. وبصوت هز كيانها وصداه فضل يتردد في الصالة
لحد هنا وكفاية أوي.. التمثيلية دي لازم تخلص، وإنتي لازم تصححي كل القرف والظلم اللي فات بسبب سطحيتك. إنتي طالق يا نسرين.. طالق بالثلاثة، طلاق بائن ملوش رجعة إلا بعقد جديد، وده عهد عليا قدام ربنا إنه مش هيحصل أبداً لو انطبقت السما على الأرض.
نسرين عينيها كانت بتطلع شرار وحقد، ومسحت وشها وبصت له بتهديد مسموم
كده يا آدم؟ بعتني عشان دي؟ طب والله لهدفعك التمن غالي أوي، وهخليك تمشي تكلم نفسك في الشوارع.. هتدفع لي مؤخري وكل مليم في نفقاتي، ولو مخدتش نص ثروتك وفضحتك وجرستك في كلمكان بالعروسة البيئة دي، هروح حالاً أبلغ عنك وأفتح الدفاتر القديمة.. هقول إنك إنت القاتل اللي دهست جوزها زمان وهربت!
آدم رد ببرود غريب، وهدوء الراجل اللي مابقاش خايف من حاجة، وبص لنورا وأهل محمود بكل فخر
روحي يا نسرين.. اطلعي من هنا على القسم وبلغي، مش هتكسبي أي حاجة غير الفضيحة لنفسك، وساعتها والله ما هتطولي مني مليم واحد، والفلوس اللي كنت ناوي أسيبها ليكي بالمعروف، هصرفها كلها تعويضات ليهم.
في اللحظة دي، تدخل رفعت المساعد بتاع آدم، وهو راجل عاقل ورزين وفاهم كل خبايا المجموعة، قرب من نسرين بهدوء وثبات وقال لها
يا مدام نسرين، كلام آدم بيه هو اللي صح قانوناً.. لو عاندتي وحاولتي تبلغي، إنتي أول واحدة هتخسري. إحنا خلاص بدأنا في إجراءات الدية بشكل رسمي وقانوني قدام الأب والأم اللي واقفين دول، وبما إنهم قبلوا وبصموا على التصالح، فالموضوع بقى قضاء وقدر وانتهى. لكن إنتي؟ لو دخلتي في محاكم هتقعدي سنين تطلبي نفقات وممكن متطوليش مليم، ما تنسيش إن كل فواتير الألماظ والمجوهرات والرحلات الخرافية واللبس البراندات اللي بتتمتعي بيها باسم آدم بيه وبفلوسه.. يعني قانوناً يقدر يطالب باستردادها أو يحجز عليها في لحظة.
رفعت كمل كلامه وهو بيحط النقط على الحروف بذكاء
ومحدش في مصر كلها هيشتري منك قطعة ألماظ واحدة لأنها من غير فواتير باسمك، ومحلات الصاغة الكبيرة كلها تبعنا. وافتكري كمان إن آدم ومجموعته الاقتصادية هما اللي شالوا شركة والدك من الانهيار والضياع واشتروها بمبلغ خيالي عشان يحمي اسم عيلتك، مش ذنب آدم بيه إن أخوكي مستهتر وضيع فلوسكم.. آدم بيه كريم وهيوفر ليكي حياة كريمة ويسيب لك المجوهرات اللي معاكي دلوقتي، بس بشرط توقيع عقد تنازل نهائي عن أي مطالبات تانية وبدون شوشرة.
نسرين سكتت فجأة.. الجشع اللي مالي قلبها غلب كبرياءها المزيف. بصت لنورا من فوق لتحت باحتقار وقالت بنبرة فيها سم
مبروك عليكي الجثة دي.. خديه واشبعي بيه، أنا لا حبيته ولا عمري هحبه، أنا اتجوزته بس عشان الخزنة والفيزا كارت. وعلى فكرة يا آدم، عشان ضميرك يرتاح أوي، أنا بقالي سنين باخد حبوب منع الحمل من وراك.. مش ناقصة أنا بوظان جسم ولا حمل ورضاعة وقرف من ده.. أنا متعلمة ومعايا سبع لغات ولافة العالم مش عشان أقعد في الآخر أغير بامبرز وأسمع عياط عيال!
آدم وقع على أقرب كرسي وهو مصدوم.. سنين كان فاكر إن العيب منه أو إنها بتضحي بجمالها عشانه، لقى إنها كانت بتخدعه في أغلى حاجة عند أي راجل.. كان بيتحسر على الضنا وهي كانت بتقتـ,ـله في رحمها كل يوم.
نسرين مشيت وراحت في طريقها وسابت وراها ريحة الغرور الرخيصة، وآدم فضل باهت ومكسور.. في اللحظة دي نورا قربت منه بكل حنان وحطت إيدها على كتفه، وليلى بنتها الصغير قربت منه وبصت له بعيونها اللي زي الملاك وحضنت رجله.. آدم حس لأول مرة في حياته بدفء العيلة الصادق، وبنور الحقيقة اللي جلاه من الذنب. نورا همست في ودنه
إحنا جنبك يا آدم.. إحنا عيلتك الحقيقية اللي هتحبك عشانك إنت، مش عشان فلوسك.. وعمرنا ما هنسيبك أبداً.
وأبو محمود وأمه قعدوا جنبه وطيبوا خاطره ودعوا له بالصلاح.. وبكده بدأت حياة جديدة في الفيلا، حياة مبنية على الصدق والستر والتوبة، وأول حاجة عملوها إنهم طلعوا كلهم عمرة وغسلوا همومهم وتعبهم قدام الكعبة المشرفة، وبدأ آدم يعوض ليلى عن حنان الأب اللي اتحرمت منه.
بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
تمت بحمد الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *