الندم طعمه مر كامله

كلنا! أبويا كان بيخرف ولا إيه؟”
المحامي بص له بنظرة حادة وطلع ورقة رسمية:
— “ده توكيل رسمي وتنازل ممضي من عشر سنين، وموثق في الشهر العقاري. عم أنور كان بيحول كل مليم بيوفروا من ‘مصاريفه’ اللي كان بياخدها منكم، على الحساب ده.”
المحامي كمل قراية الجواب:
“يا رأفت.. أنا كنت بحوش لك تعبك. كل مليم دفعته في دوايا، كنت بردهولك عشرة في البنك. كنت بضغط عليك عشان توفر، عشان لما أمشي، تلاقي السقف اللي كنت عايز تصلحه، وتجيب الموتوسيكل اللي بعته، وتجوز ليلى وتفرح بهاني.
أنا مكنتش ‘عالة’ يا ابني.. أنا كنت ‘حصالة’ لفلوسك اللي كنت هتصرفها يمين وشمال لو كانت في إيدك. سامحني إني خليتك تشيل الهم، بس كان لازم أضمن إنك مش هتتزنق يوم ما أموت. الدفتر الأزرق ده فيه كل قرش أنت دفعته.. وفيه ‘الرد’ بتاعه. الشقة اللي فوق السطوح دلوقتي بقت ملكك بالكامل، والحساب اللي في البنك فيه مبلغ يخليك متدخلش الورشة تاني لو مش عايز.”
وقعت من طولى على الكرسي. هناء كانت بتبكي بصوت مسموع وهي ماسكة صورة أبوها. مدحت وإخواته بدأوا يتخانقوا مع المحامي، بس أنا مكنتش سامعهم. كنت سامع صوت عم أنور وهو بيقولي في الطرقة: **”حقك عليا يا ابني.. خلاص هانت.”**
طلعت الورقة الأخيرة من الظرف. كانت ورقة صغيرة مطوية بعناية، مكتوبة بخط مهزوز جداً، باين إنها اتكتبت قبل وفاته بأيام:
> “يا رأفت.. النهاردة وأنا قاعد في البلكونة، شوفتك وأنت راجع من الورشة، ضهرك محني وشعرك شاب قبل أوانه. كان نفسي أنزل أبوس إيدك وأقولك إن الفلوس جاهزة، وإنك تقدر ترتاح.. بس خفت لو عرفت تبطل تحافط.
> أنا دلوقتي اللي ‘ارتحت’. ادهن البيت يا ابني، وغير المروحة اللي بتزيق دي.. وخلّي الولاد يختاروا الأوضة اللي تريحهم. وأمانة عليك.. ابقى اشرب كوباية شاي بلبن في البلكونة وافتكرني بالخير.. أنا مكنتش عايز منك غير إنك تحس إني أبوك، مش مجرد ‘حماك’.”
>
المحامي ساب الورق ومشي بعد ما مدحت وإخواته يئسوا وخرجوا وهما بيشتموا. قعدت لوحدي في البلكونة. الدنيا كانت ليل، والراديو بتاع عم أنور كان لسه مكانه.
مديت إيدي وشغلته. جه برنامج “كلمتين وبس”. غمضت عيني وتخيلت عم أنور قاعد جنبي ببرنيطته الخوص. بصيت لإيديا اللي لسه فيها آثار شحم من شغل الصبح، وبكيت.. بكيت زي العيل الصغير.
عشرين سنة كنت فاكر إني شايله.. وفوجئت في الآخر.. إنه هو اللي كان شايلني، وشايل بيتي، ومأمن مستقبلي في صمت.
**الندم طعمه مر.. بس الدرس كان غالي أوي.**
البيت مكنش ضيق يا جماحة.. قلبي هو اللي كان ضيق. ولما وسعت قلبي لعم أنور وهو ميت.. عرفت إن الأوضة اللي فوق السطوح دي كانت أوسع مكان في الدنيا.



