اول ما حطيط الشوكه

عليا كأنه جبل وبيهدني؛ جوزي؛ أحمد م عيطش لما واجهته؛ م ركعش تحت رجليا؛ ولا حتى بان على وشه ذرة خزي أو كسوف؛ قال لي بمنتهى البساطة إن أمه كانت محتاجة فلوس لعملية وقسط أرض، وإنه كان ناوي يرجع الفلوس دي تاني بعدين؛ بعدين! الكلمة دي كانت أبرد من الكدبة نفسها؛ لأنني فهمت وقتها إن بالنسبة ل أحمد، فلوسي، وصحتي، وكرامتي، وسكوتي، كل ده ممكن يستنى عادي؛ لكن أمه وأوامرها م بتستناش! من بعد اليوم ده، مكنتش برتب لخروج عادي؛ أنا كنت ببني قضية ومحضر رسمي؛ تسجيلات؛ سكرين شوت؛ ورق ومستندات؛ أكياس الشاي المستخبية؛ ونتيجة تحليل معملي مكنتش جاهزة أطلعها للعلن لسه؛ وأخيراً، مفتاح جديد؛ مفتاح شقة صغيرة ومنورة، اشتريتها ب اسمي من شقايا، وبيعي للشموع، ومساعدة أمي.. البني آدمة الوحيدة اللي م سألتنيش عن الأسباب أول ما قلت لها أنا عاوزه أبدأ من جديد على نظيف! يوم الأحد ده، طبخت اللحمة المحمرة، الأكلة المفضلة ل فادية؛ مش عشان أرضيها، بس عشان عاوزه كل حاجة تبان عادية؛ م كنتش عاوزه حد يقول إنني صرخت، أو فقدت أعصابي، أو اتصرفت ب غل وحقد؛ قعدنا إحنا التلاتة على السفرة؛ فادية داقت اللحمة وقالت تمشي حالها؛ وأحمد بياكل وعينه في طبقه؛ أخدت
نفس طويل؛ وقلت الجملة أنا اشتريت شقة. السكوت الأول كان صدمة؛ السكوت التاني كان شك؛ السكوت التالت كان خوف؛ فادية سألتني، والوش السمح المزيف طار من عليها وجبتِ الفلوس دي منين يا ست هانم؟ م ردتش عليها في ثقتها؛ وشها اتقلب ردي عليا.. أنتِ سرقتِ فلوس ابني؟ أحمد بص لي كأنني بقيت واحدة غريبة ووش أول مرة يشوفه كارمن، إيه الكلام ده؟ م بصيتش في عينه دي مش فلوسك يا أحمد. فادية طلعت ضحكة صفرا ومقرفة أمال فلوس مين يا عين أمك؟ أنتِ عايشة تحت سقفنا وبتاكلي من خيرنا سنين! حطيت إيدي الاتنين على السفرة وثبت جسمي الشقة مكتوبة ب اسمي أنا. الجملة دي طيرت الضحكة من على وشها؛ ولأول مرة، فادية مكنش باين عليها الغضب؛ كان باين عليها إنها بتحسبها؛ بتدور على الشرخ اللي ممكن تحشر إيدها فيه وتلوي دراعي منه تاني؛ رزعت كف إيدها على السفرة وقالت ب غل لو فاكرة نفسك بقيتي مستقلة وبنت بنوت، الباب يفوت جمل؛ بس اعرفي بالملي لو عاوزه تمشي، هتمشي لوحدك بالهدوم اللي عليكي؛ ابني قاعد هنا وم هيفارق بيتي! أحمد فضل ساكت وم نطقش؛ واللقطة دي كانت بالملي اللي مستنياه؛ لأنني كنت مستنية الكلمتين دول من شهور؛ م اتخانقتش؛ م عيطتش؛ م ترجيتش حد؛ يادوب هزيت راسي ماشي، موافقة. فادية رفعت حاجبها، ومستغربة من هدوئي وبرودي؛ أحمد النفس انقطع من صدره لنص ثانية؛ قمت بالراحة ودخلت الأوضة؛ جوة الدولاب كانت الشنطة اللي لميتها وجهزتها من أسابيع؛ الهدوم؛ الورق والمستندات؛ عقد الشقة الجديد؛ المفتاح الزيرو؛ تقرير المعمل؛ والكلية الحرارية اللي مليانة أكياس الشاي اللي فادية فاكرة إنها اتمست وم لهاش أثر في الدنيا؛ لما رجعت الصالة والشنطة في إيدي، وش حماتي اتقلب تاني؛ المرة دي مكنش غضب؛ كان حاجة شبه الرعب؛ أحمد وقف على رجله كارمن، استني هنا! بصيت في عينه؛ بصيت له بجد؛ الراجل اللي كان بيسمعهم وهم ب يقولوا عليا عالة ويقول دي طبيعة أمي وطبعها؛ الراجل اللي سرق فلوس شقايا وقال ده موضوع مؤقت؛ الراجل اللي فضل ساكت لأن السكوت دايماً كان جاي على هواه ومصلحته؛ قلت له لا.. أنت سمعت كلام أمك؛ أنا ماشية لوحدي. فادية فتحت بوقها، بس مفيش كلمة واحدة عرفت تطلع؛ وقبل ما أعدي عتبة الباب بره، وقفت ولفيت ضهري وبصيت للبيت اللي ذلوني فيه وقالوا عليا عالة لتلات سنين شكراً ليكم.. أنا كنت مستنية اليوم ده من زمان. ورايا، في حاجة وقعت واتدشدش مية حتة على الأرض؛ م لفتش وشي؛ لأنني كنت عارفة إن الصوت ده مش مجرد طبق اتكسر؛ ده كان صوت الكدبة الكبيرة وهي بتبدأ تتهد وتتفرتك؛ وعلى طلعت شمس بكرة، فادية هتعرف إن الشاي، والفلوس اللي اختفت، والست اللي كانت فاكرة إنها كسرتها وذلتها، كلهم مربوطين ب حبل واحد!
بس الفاجعة اللي م خطرتش على بال أحمد وأمه، مش في إن كارمن خرجت وقفت في وسط الشارع والشنطة في إيدها؛ المفاجأة اللى ه تشقلب حياة العيلة كلها وتخلي أحمد يركع ندمان تحت رجلين كارمن هي الخطوة المرعبة اللي كارمن هتعملها أول ما تروح القسم بالتقرير الطبي والتحاليل اللي المعمل طلعها، والسر اللي هيتفتح في النيابة وهيخلي الحاجة فادية تعرف إن الشاي اللي كانت بتعمله ب إيدها هيقلب السحر على الساحر وهيوديها في حتة مكنتش تتخيلها وعقوبتها عند ربنا وفي القانون أوعر بكتير من مجرد كلام!
لو عاوزين تعرفوا إيه السر المرعب اللي التحليل كشفه وإزاي كارمن هتاخد حقها وتدمر حماتها وجوزها،
أول ما باب القسم اتقفل ورا كارمن، حست لأول مرة من سنين إن نفسها داخل وخارج من غير ما حد يراقبه أو يحاسبه عليه.
كانت ماسكة الملف بإيد، ومفتاح شقتها الجديدة بالإيد التانية.
الضابط رفع عينه من الورق وقال
اتفضلي يا مدام… احكي من الأول.
ولأول مرة، كارمن

