انجي الخطيب

موقع أيام نيوز
أديب السيوفي.
إيمان ابتسمت.
مش ابتسامة عريضة، كانت ابتسامة هادية.. ودي كانت أخطر.
رامي لاحظ، وتعبير وشه اتغير. في إيه؟
إيمان ردت ببرود أنا متجوزة يا رامي.
السكوت اللي حصل بعد الكلمة دي كان نقي ومثالي لدرجة إنها بغت تشكره إنه أداها اللحظة دي.
رامي رمش بعينه كذا مرة. بص لإيدها تاني، مكنش فيه خاتم، لأن أديب السيوفي مبيأمنش بمبدأ استعراض الحاجات اللي يقدر يحميها بضربه واحدة.
متجوزة؟ رامي كرر الكلمة بذهول. أيوة.
ومين بقى سعيد الحظ ده؟
قبل ما رامي يلحق يكمل سؤاله المستفز، القاعة كلها اتغيرت حرارتها. كأن فيه تيار هوا ساقط وھجم على المكان مرة واحدة. الباب الخشبي الضخم للجاليري اتفتح، والحركة وقفت عند كل الموجودين كأنهم تماثيل شمع.
دخل أديب السيوفي.
الراجل اللي السوق كله بيسميه الحوت الهادي. لابس بدلة سودة كأنها متفصلة من ليل القاهرة، بملامح حادة زي السيف، وعيون مابترفش. أديب مابيحضرش حفلات، وأديب مابيتصورش في المجلات.. أديب السيوفي هو اللي بيملك المجلات والقاعات اللي بتتعمل فيها الحفلات.
مشى في الصالة بخطوات ليها رنة واثقة، والناس كانت بتوسع له من غير ما يطلب، كأن فيه قوة مغناطيسية بتجبرهم يفتحوا طريق. رامي علوي أول ما شافه، لونه خطڤ، والضحكة اللي كانت على وشه دابت كأنها مية سُخنة نزلت على تلج.
أديب مابصش لحد، عينيه كانت متثبتة على إيمان بس.
وصل عندها، ووقف في المساحة الشخصية بتاعتها بجرأة خلت أنفاس
الكل تتحبس. رامي كان واقف جنبه زي التلميذ اللي خاېف من الناظر، يحاول ينطق، يحاول يجمع شتات نفسه، بس لسانه خانه.
أديب مد إيده ببطء، ولمس كتف إيمان بلمسة فيها ملكية وسلطة، وبص لرامي بنظرة خلت رامي يحس إنه أصغر كائن في الأوضة.
إيمان، اللي كانت من ثواني بتحاول تتماسك، حست فجأة إن جبل استندت عليه. بصت لأديب وقالت بنبرة فيها ثقة مولودة من جديد لأ يا حبيبي، مالحقتش أزهق. الأستاذ رامي كان مسليني جداً بأسئلته.
أديب لف راسه ببطء شديد ناحية رامي. كانت نظرة صياد بيبص لحشرة داست في منطقه نفوذه. رامي حاول يبتسم، حاول يطلع أي كلمة شياكة من اللي متعود عليهم، بس شفايفه كانت ناشفة تماماً.
أستاذ رامي.. علوي.. مش كدة؟ أديب نطق الاسم كأنه بيقرأ اسم حاجة رخيصة على منيو.
رامي بلع ريقه بصعوبة أديب بيه.. أهلاً وسهلاً.. مفاجأة غير متوقعة تماماً. أنا بس كنت.. كنت بطمن على إيمان، إحنا عشرة قديمة وأنت عارف..
أديب قاطعه ببرود يجمّد المية في العروق عشرة قديمة؟ دي كلمة كبيرة قوي على واحد زيك يا رامي. وبعدين اسمها مدام إيمان السيوفي. الاسم ده لوحده المفروض يخليك تراجع حساباتك قبل ما تفكر تنطق حرف واحد في حضورها.. أو في غيابها.
الناس حواليهم بدأت تقرب سم في سم عشان يلقطوا الكلام. رامي كان بيحاول يداري كسفته طبعاً.. طبعاً.. ألف
مبروك، مكنتش أعرف إن الأمور وصلت للجواز، أصل إيمان مابتلبسش خاتم، فافتكرت إنها لسه..
أديب ضغط بصباعه على طرف كاس رامي، ونزله لتحت ببطء كأنه بيأمره يسكت الخاتم اللي إيمان بتلبسه في بيتي، تمنه يشتري الجاليري ده باللي فيه.. وبشركتك اللي بتكافح عشان ماتفلسش كمان. إحنا مابنحبش الاستعراض يا رامي.. إحنا بنتملك في صمت.
الكلمة كانت قلم على وش رامي قدام كل الناس. رامي وشه بقى ألوان، والستات اللي كانوا من شوية بيبصوا لإيمان بشفقة، دلوقتي نظراتهم اتحولت لغير وړعب.
أديب ميل راسه ناحية ودن رامي، بس صوته كان مسموع للي واقفين سمعت إنك كنت بتسأل ليه مفيش راجل رضي يتجوزها؟ الإجابة بسيطة.. لأنها كانت مستنية راجل فعلاً. مش مجرد بدلة غالية وشوية كلام فاضي. وأعتقد إنها لقت طلبتها.. ولا إيه؟
رامي معرفش يرد. الحروف تاهت منه. أديب السيوفي مابيهددش، أديب السيوفي بيمحي.
أديب بص لإيمان، ونظرة القسۏة اللي كانت في عينه اتطفت وبقت كلها حنية فجأة يلا بينا يا حبيبتي؟ العشا مستنينا، والمكان ده طاقته مابقتش تناسبنا.. والناس اللي فيه بقوا صغيرين قوي على مقامك.
إيمان عدلت خصلة من شعرها، وبصت لرامي نظرة أخيرة.. نظرة مفيش فيها غل، كان فيها عدم رؤية. كأن رامي بقى شفاف، ملوش وجود.
وهما ماشيين، أديب وقف فجأة، ولف وراه وهو ماسك إيد إيمان آه.. صحيح يا رامي. بخصوص القرض اللي شركتك طالباه من بنك السيوفي.. اعتبر الورق اتمزق. أنا مابتعاملش مع ناس مابتعرفش تحترم الستات.
خرج أديب وإيمان من القاعة، وسابوا وراهم بركان من الهمس والفضايح. رامي وقف لوحده في نص الصالة، الكاس وقع من إيده اتهشم مېت حتة، زي برستيجه اللي ضاع في ثانية تحت جزمة أديب السيوفي.
برا الجاليري، في الهوا الساقع بتاع الزمالك، أديب فتح باب العربية الرولز رويس السودة لإيمان. قبل ما تركب، وقفت وبصت له أنت جيت في وقتك بالظبط.
أديب ابتسم نص ابتسامة، وسند إيده على سقف العربية أنا دايمًا باجي في وقتي يا إيمان. ومن هنا ورايح، مفيش حد في المحروسة كلها هيجرؤ يرفع عينه فيكي.. أنتي بقيتي تخصيني، واللي يخص أديب السيوفي.. بيبقى خط أحمر.
ركبت العربية، واتحركت بيهم في شوارع القاهرة، وإيمان حست لأول مرة إن الۏجع القديم اترمى ورا ضهرها، وإن الحكاية الحقيقية لسه بتبدأ.
تمت.




