نادين والوهم

القصة بدأت لما بقيت أصحى وأنام على صور “البلوجرز” وعارضات الأزياء.. الإنستجرام بقى هو مرايتي، وبقيت أقارن نفسي بكل صورة بشوفها لحد ما كرهت ملامحي. والمشكلة مكنتش في الصور بس، المشكلة الكبيرة كانت في “عمر” خطيبي.
​عمر كان يقعد جنبي، يقلب في الموبايل، وفجأة يديني الموبايل في وشي ويقولي بضحكة مسمومة:
​”شايفة الوسط يا نادين؟ شايفة الرقة والجمال؟ يا بنتي دي باين عليها بتاكل هواء.. حاولي تتعلمي منها شوية، مش كل ما نخرج تطلبي مكرونة وبيتزا، البنت دي لو كلت اللي أنتِ بتأكليه في يوم هتنفجر!”
​كنت بضحك بوجع عشان ميبانش إني مكسورة، بس من جوايا كنت بموت. بدأت رحلة انتحار بطيء سميتها “دايت”. كنت بكتفي بتفاحة واحدة في اليوم، وأشرب قهوة سادة طول النهار عشان أسد جوعي.
غادة عبدالرحمن
كان جسمي بيترعش، وصداع مش بيفارقني، وكل ما يلمحني وشي شاحب كان يقولي:
​”ها.. لسه برضه الميزان مبيتحركش؟ باين كدة مالكيش حل، والجينات عندك بايظة.”
​في يوم، كنا معزومين عند صحابه، وكنت دايخة جداً وتعبانة من قلة الأكل. وقفت قدام المراية أحاول أداري الهالات السوداء تحت عيني بطبقات “ميك آب” تقيلة عشان مخوفش حد، لقيت رسالة منه على الموبايل وهو في الصالة بره.. “لينك فيديو” لبنت بتلعب جيم بعضلات مرسومة، وكاتب لي: “شدي حيلك بقى عشان نوصلي لده، مش عايز أبقى ماشي جنب شوال!”
​الكلمة كانت القشة اللي قطعت قلبي. طلعت له بره، الدنيا كانت بتلف بيا، وصوت الناس بقى بعيد.. فجأة السواد عمى عيني ووقعت من طولى وسط ذهول الكل.
​فوقت في المستشفى على ريحة المحاليل، لقيت أمي قاعدة بتعيط وبتبوس إيدي، وعمر واقف بعيد، ماسك موبايله وبيقلب فيه ببرود، كأنه مستني المسرحية دي تخلص عشان نخرج.
غادة عبد الرحمن
​أول ما فتحت عيني، بصيت له وقولت بصوت واطي بس طالع من قلبي:
​”هات موبايلي يا عمر.”
​افتكر إني هشوف الفيديو اللي بعته، بس أنا عملت حاجة تانية خالص.. فتحت “الإنستجرام” وبدأت أعمل “بلوك” لكل صفحة كانت بتحسسني إني ناقصة، لكل صورة كانت بتهد ثقتي في نفسي.. وبعدين بصيت لعمر وقولتله:
​”وعملتلك بلوك أنت كمان من حياتي.. اطلع بره.”
​اتصدم وقال بغرابة:
​”أنتِ بتقولي إيه؟ ده أنا كنت بحفزك عشان تبقي أحلى! ده جزاتي إني عايز أشوفك ملكة جمال؟”
​هنا صوتي لعلع في الأوضة:
​”أنت كنت بتموتني يا عمر.. كنت بتمحي “نادين” الحقيقية عشان تدور على “سراب” وفلاتر مش موجودة أصلاً. اللي بيحب حد بجد بيحبه بتفاصيله، بعيوبه قبل مميزاته، بيخاف على صحتها قبل ما يخاف على منظره قدام الناس. أنت كنت بتهد فيا كل يوم طوبة عشان تبني “عروسة بلاستيك” تعجب صحابك.”
​كملت والدموع بتنزل بس بكرامة:
​”أنا مش موديل في مجلة، ولا “مانيكان” في فاترينة.. أنا بني آدمة، من حقي آكل وأشبع، ومن حقي أحس إني جميلة في عين الشخص اللي المفروض يكمل معايا العمر. الجمال اللي أنت بتدور عليه موجود في “بيكسلات” الصور وبس.. روح دور عليه هناك، أما أنا، فـ هبدأ أحب نادين اللي ضيعتها بسببك.”
غادة عبد الرحمن
​عمر حاول يبرر، بس شاورمت للمرضة تخرجه. لما قفل الباب وراه، حسيت إن الهوا دخل صدري لأول مرة من شهور. مسكت مرايتي الصغيرة، وبصيت لوشي، وقولت لنفسي: “أنا آسفة يا نادين.. من النهاردة مفيش حد هيتحكم في لقمة بتاكليها ولا في شكلك.. أنتِ غالية، واللي مش شايف ده يبقى هو اللي نظره ضعيف.”
​– تمت —

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *