طلبت مني ست عجوز اتجوزها قبل ما تموت

طلبت مني ست عجوز أتجوزها قبل ما تموت بشهر… وبعد ما دفناها، سلّمني المحامي حقيبتها القديمة وقال جملة لحد النهارده كل ما أفتكرها جسمي يقشعر الحاجة زينب اختارتك لسبب معين هتعرفه في وقته.
قبل ما أرد كان المحامي عبد الرحمن وصل.
قرب مني بهدوء، ومد إيده بالحقيبة القديمة اللي ما كانتش بتفارق الحاجة زينب يومًا.
حطها بين إيديا، وقال بصوت منخفض
دي أمانة عندك يا يوسف… لكن أوعى تفتحها هنا… لأن اللي جواها هيغيّر كل حاجة.
رجعت بيتي وأنا شايل الشنطة بإيديا، لكن الحقيقة… كنت حاسس إني شايل عمر كامل، مش مجرد شنطة قماش قديمة. كانت أخف بكتير من اللي كنت متخيله، ومع ذلك كانت تقيلة على قلبي بطريقة ما عرفتش أفسرها. كل خطوة كنت باخدها وأنا راجع، كانت جملة المحامي ترن في ودني من جديد
اللي جواها… هيغيّر كل حاجة.
قفلت باب الشقة وفضلت واقف دقيقة كاملة، لا عرفت أشغل النور، ولا حتى أقلع الجاكيت الأسود اللي لسه رايح بيه الجنازة.
حطيت الحقيبة على الترابيزة، وقعدت قدامها.
كانت زي ما هي…
نفس اللون الباهت.
ونفس السحّاب اللي باين عليه إنه اتصلح
أكتر من مرة.
ونفس البقعة الصغيرة اللي كنت بشوفها كل يوم وهي حاضناها.
مديت إيدي علشان أفتحها…
لكن سحبتها بسرعة.
حسيت إن أول ما السحّاب ده يتفتح، الحاجة زينب هتغيب بجد.
وإن السر اللي فضلت شايلاه سنين هيخرج للنور.
يمكن علشان كده…
قمت من مكاني.
ودخلت أوضة النوم.
وسبت الحقيبة مكانها.
اليوم كله عدى…
وبعدين يوم كمان.
وأنا كل شوية أبص عليها من بعيد، وأرجع أبص الناحية التانية.
كنت خايف ألاقي فيها فلوس.
وخايف ألاقي وصية.
وخايف ألاقي أي حاجة تخلي كلام الراجل اللي اتهمني في الجنازة يبقى له معنى.
وفي صباح اليوم التالت…
رن تليفوني.. كان المحامي عبد الرحمن.
رديت بهدوء
السلام عليكم.
قال
وعليكم السلام يا يوسف… فتحت الحقيبة؟
قلت
لأ.
سكت ثواني، وبعدين قال بنفس الهدوء
الحاجة زينب كانت متوقعة إنك تعمل كده.
استغربت.
قال
وأوصتني أتصل بيك لو عدى يومين وما فتحتهاش.
سألته
ليه الإصرار ده؟
رد بكلمة واحدة
لأنها كانت عارفة إنك هتخاف.
سكت شوية، وبعدين كمل
الحاجة زينب قالت لي بالحرف… قوله يفتحها بنفسه، وما يخليش حد يفتحها قبله.
فضلت ساكت.
فقال
صدقني
يا يوسف مش هتلاقي اللي إنت فاكره.
قفل المكالمة.
ورجعت أبص للحقيبة.
المرة دي قربتها مني وأخدت نفسًا طويلًا.
وببطء شديد فتحت السحّاب قلبي كان بيدق بعنف.
كنت مستعد أشوف رزم فلوس أو سبايك دهب أو مفاتيح خزنة أو عقود أملاك أي حاجة تثبت إن الناس كانت عندها حق لكن…
ماكانش فيه أي حاجة من دي. ولا جنيه واحد. ولا قطعة دهب. ولا مفاتيح. ولا صكوك. ولا حتى دفتر شيكات.
فضلت أقلب محتوياتها وأنا مستغرب. لقيت صور قديمة، أطرافها مصفرة من الزمن. ودفاتر مذكرات مكتوبة بخط ست كبيرة.
ولعبة طفل خشبية صغيرة، لونها بهت من كتر السنين، لكن واضح إنها كانت غالية على صاحبها.
وكمان رزم كاملة من الرسائل، مربوطة بشرائط قماش قديمة، وكل مجموعة عليها تاريخ مختلف.
وفوق كل ده كان فيه ظرف أبيض أكبر شوية من الباقي لكن قبل ما أمسكه شدتني الرسائل.
فكيت أول شريط. وسحبت أول جواب وأول ما بصيت لأول سطر…
وقفت مكاني كان مكتوب بخط الحاجة زينب
إلى يوسف…
افتكرت إنه أكيد الجواب ليا.
فتحت التاني…
لقيت نفس البداية.
إلى يوسف…
والتالت والرابع. والخامس كل الرسائل .بدون استثناء
بتبدأ بنفس الجملة.
فضلت أبص للأوراق وأنا مش فاهم.
وقلت بصوت مسموع، كأني مستني حد يرد عليا
مين يوسف ده؟
بدأت أقلب بسرعة أكبر..لقيت صورة قديمة لطفل عنده يمكن ثلاث أو أربع سنين.. واقف بيضحك وفي حضنه راجل شاب، ملامحه كلها حنان.
والحاجة زينب واقفة جنبهم، وحاطة إيديها على كتف الطفل، وابتسامتها في الصورة مختلفة عن أي ابتسامة شوفتها على وشها.
فضلت أبص للصورة طويلًا.. حاسس إن ملامح الطفل مألوفة لكن مش قادر أحدد ليه.
قلبت الصورة من ورا.. ماكانش مكتوب عليها غير تاريخ قديم. رجعت أبص للشنطة ولقيت ظرفًا منفصلًا عن باقي الأوراق.
كان مقفول بعناية، وكأنه آخر حاجة اتقفلت قبل ما الحاجة زينب ترحل.
وعليه بخط مرتعش، لكنه واضح، كانت مكتوبة جملة واحدة
يا يوسف… لو وصلت للرسالة دي… يبقى أنا وفيت بوعدي.
فضلت ماسك الظرف بين إيديا، وقلبي بيدق أسرع من أي وقت فات، وكل ما كنت أقرب إني أفتحه، كانت إيدي ترتجف وكأنها رافضة تعرف الحقيقة، لأن الإنسان أوقات بيخاف من الحقيقة أكتر ما بيخاف من الكذب، خصوصًا لما يحس إن الحقيقة دي ممكن تهد كل اللي عاش مؤمن بيه
طول عمره.
لكن قبل ما أفك ختم الظرف، رن تليفوني.
كان المحامي عبد الرحمن.
قال بهدوء
لو لسه مش فتحت الرسالة، يبقا تيجي وتفتحها قصادي… عشان محتاج اخليك تشوف مستندات تثبت كل كلمة فيها.
…
تاني يوم، دخلت مكتب المحامي، فاتفاجئت إن محمود قاعد هناك، ووشه كله غضب، وأول ما شافني قال بسخرية
جاي تستلم الباقي؟
المحامي رفع إيده وقال بحزم
النهارده محدش هيتكلم غير لما الرسالة تخلص.
فتح الظرف، وبدأ يقرأ بصوت الحاجة زينب.
بسم الله الرحمن الرحيم…
يا يوسف…
لو وصلت للرسالة دي، يبقى أنا بقيت بين إيدين رب كريم، وبقيت مطمنة إن الوقت جه تعرف الحقيقة اللي أخفيتها عنك سنتين كاملين، من أول يوم شوفتك فيه داخل دار الرعاية.
وقفت أنفاسي.
يمكن دلوقتي تسأل نفسك… إزاي عرفتك؟
الحقيقة إني ما عرفتكش من أول نظرة، لكن كان فيه شبه كبير بينك وبين الصورة اللي معايا والوحمة، خلاني أطلب من المحامي يدور في الأوراق القديمة، ورا سجلات دار الأيتام، وشهادات الميلاد، وصور قديمة كنت محتفظة بيها من سنين.
صور. شهادات وقال
الحاجة زينب بدأت رحلة البحث من أول أسبوع يوسف اشتغل فيه هنا، واستمرت أكتر من شهر، لحد ما اتأكدنا بنسبة مية في المية.
ثم أكمل قراءة
الرسالة.
أحمد… ابني الوحيد… اتجوز أمك بعد وفاة زوجها، وكان عندها طفل صغير اسمه يوسف.
أحمد عمره ما شافك ابن مرات… كان بيقول قدام الناس كلها ده ابني.
وكان يحلم يربيك ويكبرك ويجوزك بإيده.
بدأت دموعي تنزل من غير ما أحس.
لكن الرسالة كملت.
قبل ما أحمد يموت بأيام، مسك إيدي وقال
يا أمي… يوسف أمانة في رقبتك… أوعي تسيبيه لوحده.
أخرج المحامي ورقة صفراء قديمة.
وقال
دي وصية أحمد بخط إيده.
قرأ منها
يمكن ماكنش ابني من دمي… لكنه ابني اللي هتحاسب عليه قدام ربنا.
ماقدرتش أرفع عيني.
حسيت إن في أب عمري ما عرفته…
كان فعلًا بيحبني.
ثم أكمل المحامي.
بعد وفاة أحمد، اتجوزت أمك، لكن زوجها الجديد رفض وجودك، وبعد شهور قليلة أخدك، ووداك دار أيتام من غير ما حد يعرف، ولما وصلت أجري عليك… كنت اختفيت.
وسكت لحظة.
ثم أكمل.
فضلت ألف بين دور الأيتام، وأسأل، وأدفع، وأدور عليك أكتر من عشرين سنة… وكل مرة كنت أوصل لطرف خيط، كان يضيع مني من جديد.
كانت كل كلمة بتنزل على قلبي كأنها عمر كامل من الوجع.
ثم جاءت الجملة التي انتظرتها طوال حياتي.
لما شفتك في دار الرعاية،
ما جريتش أقولك الحقيقة وقولت لازم اتأكد الاول وكمان لأني كنت عايزة أعرف يوسف الإنسان… مش يوسف الوريث.
كنت عايزة أشوف الراجل اللي رباه أحمد، قبل ما يعرف إن عنده ست كبيرة ممكن تسيبله مال.
ولو كنت طماع كنت هتظهر على حقيقتك لوحدك.
ثم أكمل المحامي الصفحة الأخيرة.
أما ليه طلبت منك الجواز… فالإجابة إن محمود كان مستني موتي من سنين.
وكان أول ما أموت هيبدأ يطعن في كل تصرف عملته، ويحاول يوقف تنفيذ وصيتي، ويجمّد إدارة دار الرعاية، لحد ما يبيعها ويقسم تمنها.
وأنا ماكنتش خايفة على الفلوس… كنت خايفة على الناس اللي عايشين فيها.
علشان كده، خلال الشهر اللي عشته بعد جوازنا، بعت جزءًا من ممتلكاتي بإرادتي الكاملة، وسددت ديون الدار كلها، وأنشأت صندوقًا ماليًا يكفي تشغيلها سنوات طويلة، وكتبت لك هبات موثقة تؤمّن مستقبلك، بعيدًا عن أي ميراث يمكن حد يطعن عليه.
أما الدار نفسها… ففضلت وقفًا خيريًا كما أرادها زوجي، وعينتك مديرًا وأمينًا عليها، لأني عرفت خلال الشهر اللي عشتهم معاك إنك الراجل الوحيد اللي هيحافظ عليها، وهيحافظ على كرامة كل عجوز لجأ لها.
أما
عقد جوازنا… فما طلبتوش علشان الفلوس، ولا علشان تورثني… طلبته علشان لما أغمض عيني للمرة الأخيرة، أبقى مطمنة إن اللي هيستلم مفاتيح الرسالة… هو إنسان اعتبرته ابني قبل ما يبقى جوزي.
أنهى المحامي الرسالة، ثم وضع أمام محمود العقود الرسمية، وإيصالات سداد الديون، وعقود الهبات، وقرار تعيين يوسف مديرًا للدار.
نظر محمود في الأوراق واحدًا تلو الآخر، ثم أدرك أنه لم يعد يملك شيئًا يستطيع الطعن عليه.
خرج من المكتب صامتًا…
بينما بقيت أنا أحدق في صورة أحمد، وأردد لأول مرة بصوت خرج من أعماق قلبي
سامحني يا أبي… اتأخرت عليك عمرًا كاملًا.
وبعد عام، وأنا أجلس لأول مرة على المكتب الذي كانت تجلس خلفه الحاجة زينب، فتحت درجًا صغيرًا لم يكن أحد يعرف بوجوده، فوجدت ورقة مطوية كتبت في آخر أيامها.
فتحتها…
وكان مكتوبًا فيها
لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى الدار لسه عامرة بأهلها… ويبقى أنا فعلًا عرفت أختار الراجل اللي أحمد كان هيبقى فخور بيه.
في اللحظة دي، سمعت صوت أحد كبار السن يناديني من آخر الممر
يا ابني… ممكن تساعدني؟
ابتسمت رغم دموعي، وقمت أجري عليه،
وأنا برد لأول مرة في حياتي من قلبي كله
أيوه يا حاج… حاضر.


