الطياره

​البيت مدهون ونظيف.

​الجنينة مليانة ورد بألوان تفتح النفس.

​المشّاية مغسولة ومترتبة.

​ولعب أطفال مفروشة في الجنينة.

​والشبابيك طالع منها نور دافي وحياة،

البيت ده مكنش فيه روح بقاله سنين!
​ده مش الشاليه المهجور اللي سابته… ده بقى مكان تاني أجمل بمراحل!

​وقبل ما تمد إيدها وتخبط على الباب، الباب اتفتح من جوه.

​وخرجت الست… بس مكنتش نفس الست بتاعة المطار!

​خوف زمان مابقاش موجود في عينها، ولا الانكسار اللي كان على وشها.

​كانت لابسة هدوم نظيفة، شعرها متظبط، وبجنبها بنتها الصغيرة بتضحك ومسكة عروسة في إيدها.

​قالت الست بصوت بيترعش من الفرحة:

«كنت خايفة ترجعي ومتلاقنيش… أو تخافي إننا مشيوا.»

​دخلتها جوه… وهنا بدأت الحكاية الحقيقية.

​قبل يوم المطار، كانت حياتهم عذاب في عذاب.

​كانت بتنام هي وبنتها في مواقف الأتوبيسات وعلى الرصيف.

​يقسموا رغيف عيش واحد طول اليوم.

​وتفضل صاحية طول الليل حارسة بنتها خايفة عليها من البرد أو أولاد الحرام.

​البنت عرفت الخوف والعرية قبل ما تعرف اللعب.

​بس كل حاجة اتغيرت من اللحظة اللي مسكوا فيها المفتاح.

​في الليلة دي، البنت نامت لأول مرة على سرير بجد بمرتبة ودفايات.

​وأمها قفلت الترباس من جوه… وبكت لحد الفجر.

​مش من الحزن… بس عشان أخيرًا حست بالأمان!

​في الأيام اللي بعد كده، الست بدأت تجمع شتات نفسها.

​نظفت الشاليه وضبطته.

​طلعت بطاقتها وأوراقها

اللي كانت ضايعة، وقدمت على معاش تكافل وكرامة.
​ودورت على شغل بسيط.

​واحدة واحدة، الجيران في الشارع بدأوا يلاحظوها.

​شافوا ست مكافحة بتجري على أكل عيشها بكرامة.

​فبدأوا يقفوا جنبها.

​جارة جابت هدوم للبنت، والتانية ساعدتها في الأوراق الحكومية.

​وعم «صالح» الراجل الكبارة اللي ساكن جنبها أصلح سور الجنينة وقالها: «أي بيت فيه طفل، لازم يبقى آمن ومقفول عليه كويس.»

​ومع الوقت، مابقتش غريبة عن المنطقة.

​بقى لها اسم وناس بيسألوا عليها، والبنت بقى لها أصحاب في الشارع، والبيت بقى مليان روح.

​لما الست خلصت حكايتها، البيت كله سكت.

​فريدة بصت حواليها…

​للجنينة، للبنت اللي بتضحك، وللبيت اللي أخيرًا بقى فيه روح.

​وحست بحاجة غريبة بتهز قلبها من جوه.

​طول عمرها كانت فاكرة إن أعظم إنجازاتها هي الشركات والصفقات اللي بتكسبها.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *