اختفت سنه

من أول كلمة، وأول ضحكة، وأول خطوة ربما لم يرها.
مد يده ببطء، ثم توقف قبل أن يلمسها.
نظر إلى هنا وقال بهدوء
ممكن… أشوفها عن قرب؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم احتضنت ابنتها أكثر.
ولم تجبه مباشرة.
ساد صمت جعل الجميع ينتظر ردها…
لأن الإجابة التي ستقولها هنا في اللحظة التالية، قد تغيّر شكل العلاقة بينهما إلى الأبد ساد صمت طويل.
فؤاد لم يتحرك.
ولا حتى حاول يدافع عن نفسه.
رئيس اللجنة وضع الهاتف على الطاولة وقال
المعلومة اللي وصلتنا دلوقتي بتأكد إن الشخص اللي أخفى الورقة ماكانش بيشتغل لوحده.
ارتفعت همسات الحاضرين.
كريم قال بحدة
قول الاسم.
رد رئيس اللجنة
قبل ما أقول أي اسم… فيه شخص طلب الحضور بنفسه، وقال إن عنده شهادة هتوضح كل اللي حصل من سنة.
نظر الجميع إلى الباب.
وبعد لحظات…
دخل رجل في منتصف الأربعينيات، يحمل حقيبة جلدية سوداء.
أول ما شافه فؤاد، تغير لون وجهه للمرة الأولى.
همس في توتر
إنت…!
ابتسم الرجل ابتسامة هادئة وقال
أيوه… أنا.
اقترب ووضع الحقيبة فوق الطاولة.
ثم التفت إلى رئيس اللجنة.
أنا المستشار القانوني السابق للشركة.
اتسعت عينا كريم.
إنت استقلت فجأة واختفيت!
أومأ الرجل.
لأني رفضت أوقّع على مستندات كنت شايف إنها ناقصة.
فتح الحقيبة ببطء.
وأخرج منها مظروفًا أبيض مغلقًا بالشمع الأحمر.
قال
المظروف ده كان أمانة عندي، وماكنتش هفتحه إلا إذا وصلت الأمور للي إحنا فيه النهارده.
نظر الجميع إلى المظروف في توتر.
ثم سلّمه لرئيس اللجنة.
قرأ رئيس اللجنة الاسم المكتوب عليه بصوت واضح
يُفتح فقط بحضور جميع الأطراف.
سادت القاعة حالة من الترقب.
نظر كريم إليّ، ثم إلى والده، ثم إلى ابنته التي كانت نائمة مرة أخرى على صدري.
شعر أن كل دقيقة تمر تكشف له جزءًا جديدًا من الحقيقة.
قطع رئيس اللجنة الشمع الأحمر بحذر.
وسحب أول ورقة.
قرأ السطر الأول…
فتغيرت ملامحه تمامًا.
ثم رفع رأسه ببطء ونظر مباشرة إلى كريم وقال
واضح إنك كنت ضحية قرارات اتخذها آخرون من غير علمك.
وقبل أن يكمل قراءة بقية المستند…
وقف فؤاد فجأة من مكانه، وأمسك عصاه، وقال بصوت ثابت
إذا كان لازم كل الأسرار تتقال… يبقى دوري أتكلم قبل ما الورق يتكلم.
ثم أخذ نفسًا عميقًا…
واستعد ليكشف السر الذي أخفاه طوال عام كامل دخل الرجل بخطوات ثابتة، ووضع حقيبته على الطاولة.
كان اسمه عادل، المدير المالي السابق للشركة، والذي استقال قبل عام في ظروف غامضة.
وقف كريم ينظر إليه بعدم تصديق.
وقال
كل الناس قالت إنك سافرت ومش هترجع.
ابتسم عادل ابتسامة هادئة.
سافرت فعلًا… لكن قبل ما أسافر احتفظت بنسخ من كل المستندات اللي كنت مسؤول عنها، لأني كنت حاسس إن يوم زي ده هييجي.
فتح الحقيبة، وأخرج عدة ملفات مرتبة بعناية.
ثم وضعها أمام رئيس اللجنة.
قال
كل ورقة هنا لها تاريخ وتوقيع، ومفيهاش أي تعديل.
بدأ رئيس اللجنة يقلب الملفات واحدة تلو الأخرى.
وبعد دقائق من المراجعة، رفع رأسه وقال
واضح إن الأوراق متطابقة مع السجلات الرسمية.
تنفس كريم الصعداء لأول مرة منذ بداية الجلسة.
نظر إليه عادل وقال
في حاجة لازم تعرفها.
إيه هي؟
يوم ما هنا خرجت من البيت… كانت آخر مرة شوفتها.
اتسعت عينا هنا.
إنت فاكر اليوم ده؟
أومأ عادل.
أيوه… لأنها طلبت مني أوصل لكريم ظرف بإيديه.
نظر كريم إلى هنا، ثم إلى الظرف القديم الموجود على الطاولة.
قال عادل
أنا سلمته للسكرتير بنفسي، وقلت له بالحرف محدش يفتحه غير الأستاذ كريم.
خفض السكرتير رأسه في خجل.
أكمل عادل
بعدها بيومين، عرفت إن الظرف اختفى.
ساد الصمت.
قال كريم بصوت منخفض
يعني الرسالة كانت فعلًا هتوصلني… لولا اللي حصل.
رد عادل
بالضبط.
نظر رئيس اللجنة إلى الجميع وقال
من خلال مراجعة المستندات والشهادات، اتضح إن الخلاف بين الزوجين تفاقم بسبب قرارات إدارية خاطئة وسوء تصرف من بعض المسؤولين، وليس بسبب خيانة أو إخفاء متعمد بينهما.
تنهدت هنا في هدوء.
ولأول مرة منذ دخولها القاعة، شعرت أن الحقيقة بدأت تظهر كما هي.
لكن قبل أن تُستكمل الجلسة…
دخل أحد الموظفين مسرعًا وهو يحمل ظرفًا صغيرًا مختومًا.
قال
الظرف ده وصل حالًا باسم الأستاذ كريم، والمرسل كتب إنه لازم يتفتح أثناء الجلسة.
نظر الجميع إلى الظرف في دهشة.
تناوله كريم ببطء…
وقبل أن يفض الختم، تبادل النظرات مع هنا.
كان يشعر أن هذا الظرف قد يحمل آخر قطعة مفقودة من اللغز… لكن ما بداخله ظل مجهولًا، والجميع حبس أنفاسه انتظارًا لما سيظهر عند فتحه نظرت هنا إلى كريم لثوانٍ طويلة.
كان واضحًا على وجهه الندم… لكن الندم وحده لم يكن كافيًا ليمحو سنة كاملة.
قالت بهدوء
تشوفها؟… من حقك.
اتسعت عينا كريم.
لكنها أكملت قبل أن يقترب
بس افتكر إن الحق ده كان موجود من أول يوم… وإنت اللي ضيعته من غير ما تقصد.
أطرق رأسه في صمت.
ثم اقترب ببطء شديد، كأنه يخاف حتى من صوت خطواته.
انحنى أمام الصغيرة.
كانت تنظر إليه بفضول، ثم ابتسمت ومدت يدها الصغيرة ولمست وجنته.
في تلك اللحظة…
لم يستطع كريم أن يمنع دموعه.
همس بصوت مكسور
دي… بنتي.
ابتسمت هنا ابتسامة حزينة.
أيوه… بنتك.
ساد القاعة صمت لم يقطعه إلا صوت رئيس اللجنة وهو يغلق الملف أمامه.
قال
واضح إن الجزء الخاص بالخلاف الأسري اتضح.
ثم نظر إلى الملف الآخر الموجود أمامه.
لكن لسه فيه جزء مهم متعلق بالشركة.
رفع المستشار القانوني السابق ورقة أخرى من المظروف وقال
الورقة دي هي سبب احتفاظي بالمستندات.
تناولها رئيس اللجنة، وبدأ يقرأها في صمت.
ومع كل سطر…
كانت ملامحه تتغير.
رفع رأسه فجأة وقال
الورقة دي تثبت إن في قرار اتاخد قبل سنة، لكن ما اتنفذش.
سأله كريم بسرعة
قرار إيه؟
أغلق رئيس اللجنة الورقة، وقال
مش هينفع أعلن مضمونه قبل مراجعة باقي المستندات.
اعترض أحد المحامين
إحنا أصحاب الشأن.
رد رئيس اللجنة بحزم
وده بالضبط سبب إننا لازم نمشي بالإجراءات الصحيحة.
في تلك اللحظة، وقف فؤاد مرة أخرى.
قال وهو ينظر إلى كريم مباشرة
فيه شخص واحد يقدر يكمّل الحقيقة… وأنا طلبت منه ييجي.
استغرب الجميع.
التفتوا ناحية الباب.
وبعد ثوانٍ…
انفتح الباب ببطء.
ودخل رجل يحمل حقيبة أوراق قديمة.
ما إن وقعت عين كريم عليه…
حتى اتسعت عيناه وقال بدهشة
إنت؟! مستحيل تكون رجعت!
أما الرجل…
فاكتفى بابتسامة هادئة، وقال
رجعت… لأن الوقت أخيرًا جه أقول اللي شفته بعيني.
وتوقفت الأنفاس داخل القاعة، بينما الجميع ينتظر شهادته التي قد تغيّر كل ما اعتقدوا أنهم عرفوه أخذ كريم الظرف بين يديه.
ظل ينظر إليه للحظات، ثم قلبه على الجهة الأخرى.
لم يكن عليه اسم المرسل.
فقط عبارة مكتوبة بخط واضح
يُفتح أمام هنا فقط.
نظر إليها باستغراب.
ثم سلّمها الظرف.
قال بهدوء
افتحيه إنتِ.
فتحت هنا الختم ببطء، وأخرجت ورقة واحدة وصورة قديمة.
أول ما وقعت عيناها على الصورة، ابتسمت بحزن.
كانت صورة لهما بعد عقد القران مباشرة.
الصورة التي ظنت أنها ضاعت إلى الأبد.
أما الورقة…
فكانت بخط يد كريم.
رفع حاجبيه وقال متعجبًا
ده خطي… بس أنا عمري ما بعت الخطاب ده.
ناولته له.
وبدأ يقرأ بصوت منخفض
هنا… لو في يوم قريتِ الرسالة دي، يبقى أكيد حصل بينا سوء فهم كبير. أنا كتبتها لنفسي بعد أول خلاف بينا، ووعدت نفسي إن عمري ما هسمح للشغل يسرق بيتي. لكن واضح إني فشلت في الوعد ده.
ساد الصمت.
كريم كان يقرأ وهو يحاول يتذكر.
ثم قال فجأة
افتكرت…
نظر إليه والده.
افتكرت إيه؟
قال
أنا كتبت الرسالة دي فعلًا… لكن حطيتها في درج مكتبي، ونسيتها.
نظر الجميع إلى فؤاد.
هز رأسه وقال
أنا أول مرة أشوفها.
سأل رئيس اللجنة
طيب مين اللي بعتها النهارده؟
في تلك اللحظة…
دخل عامل الصيانة المسن الذي كان يعمل في المبنى منذ سنوات.
رفع يده وقال في خجل
أنا.
استغرب الجميع.
قال الرجل
من أسبوع كنا بنغيّر أثاث المكتب القديم، ولقيت الرسالة والصورة واقعين خلف أحد الأدراج.
ثم نظر




