ج**ری**مه اخی من حکایات نور محمد

​طلعت أجري على السلالم زي المجنون، فتحت باب أوضته ورميت مفاتيح العربية على السرير: “إيه اللي تحت ده يا مازن؟! إيه الد/م ده؟ خبطت مين؟!”

​شفايفه بدأت تترعش، نزل على ركبه في الأرض وهو بيبكي بهيستيريا، وأخيراً نطق:

​”مكنتش أقصد.. والله العظيم ما كنت أقصد يا أخويا!”
​صرخته طلعت مكتومة ومكسورة، كأنه عيل عنده خمس سنين مش شاب في الجامعة. مسكته من هدومه وقوّمته بالعافية من على الأرض، ووشي في وشه:
“خبطت مين يا مازن؟! انطق! الد/م اللي تحت ده بتاع مين؟”
​فضل يشهق من العياط وهو بيترعش: “كنت.. كنت راجع من على الدائري بالليل.. الشارع كان ضلمة ومفيش نور، وكنت ماشي بسرعة شوية.. فجأة ظهر قدامي موتوسيكل دليفري، كان ماشي من غير كشافات.. حاولت أفاديه، والله العظيم حاولت، بس دوست فرامل والعربية زحفت..”
​سكت ثانية ووشه جاب ألوان، فزعقت فيه: “وبعدين؟! كمل!”
​”خبطته.. طار من على الموتوسيكل ووقع على الكبوت وبعدين اترمى في الأرض.. نزلت من العربية، لقيته غرقان في د/مه ومش بيتحرك.. خفت.. اترعبت.. الشارع كان فاضي ومفيش حد شافني.. ركبت العربية وهربت.. أنا هربت وسيبته يموت!”
​في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا بتلف بيا. أخويا الصغير اللي ربيته على إيدي، اللي بخاف عليه من الهوا الطاير، بقى متهم في قضية ق*تل أو شروع في ق*تل، والأسوأ.. إنه هرب زي الجبناء.
​أمي دخلت الأوضة على صوتنا، ولما سمعت الجملة الأخيرة صرخت وحطت إيدها على بوقها، ووقعت على الكرسي مش قادرة تقف. الأوضة كلها اتحولت لساحة من الرعب والانهيار.
​أمي بدأت تعيط وتتوسل ليا: “استر على أخوك.. ده لسه صغير ومستقبله هيضيع.. العربية دي نصلحها في أي داهية، ومحدش هيعرف حاجة.. أبوس إيدك يا ابني أخوك هيضيع!”
​بصيت لأمي، وبصيت لمازن اللي كان منهار على السرير ومستني مني كلمة طمأنينة.. طمأنينة إني هغطيه وأداري على جريمته. القرار كان زي السكينة في قلبي. أنا بحب أخويا أكتر من نفسي، بس لو سكت، هبقى بشارك في ج*ري*مة، وهبقى بضيّع حق إنسان غلبان كان بيجري على أكل عيشه بالليل ومرمي دلوقتي في الشارع أو في مستشفى بين الحياة والموت.
​أخدت نفس عميق، وطلعت تليفوني من جيبي.
“قوم البس جزمتك يا مازن.”
​أمي صرخت: “هتعمل إيه؟! هتودي أخوك في داهية؟!”
​قلت لها بصوت حازم بس مليان وجع: “لو خبينا عليه دلوقتي يا أمي، إحنا اللي بنوديه في داهية. الد/م اللي على العربية ده مش هيتغسل، هيفضل على إيده طول العمر. لو الراجل ده م**ات ومازن هرب، مازن هيفضل هربان وميت من جواه بقية حياته.. إحنا متربيناش على الندالة.”
​سحبت مازن من إيده، وهو كان مسلوب الإرادة تماماً، ماشي معايا زي الميت. نزلنا، ركبنا تاكسي، وطلعنا على أقرب قسم شرطة في المنطقة اللي حصل فيها الحادثة.
​في القسم: ساعات من الجحيم
​طول السكة أنا بدعي ربنا دعوة واحدة: “يا رب يطلع عايش.. يا رب ميكونش م/*ات.”
دخلنا القسم، وطلبت أقابل النبطشي. أول ما وقفنا قدام الضابط، مازن مقدرش ينطق، أنا اللي اتكلمت وحكيت كل اللي حصل، واديتهم رقم العربية ومكانها.
​الضابط بص لمازن بنظرة قاسية وبعدين طلب عسكري يراجع بلاغات الحوادث بتاعت إمبارح على الدائري. الدقايق دي كانت أطول من سنين عمري كلها. دقات قلبي كانت مسموعة في المكان.
​أخيراً، العسكري رجع بورقة.
الضابط قرأها، وبص لنا وقال: “في بلاغ جالنا الفجر من عربية نقل لقت شاب بتاع دليفري مرمي على الدائري وموتوسيكله متدمر.”
​قلت له بصوت بيترعش: “م**ات؟”
​الضابط سكت لحظة.. وقال: “لأ.. الإسعاف لحقته. هو في العناية المركزة في مستشفى (….) الحكومي، عنده كسر مضاعف في الرجل ونزيف داخلي، بس الدكاترة بيقولوا حالته بدأت تستقر.”
​في اللحظة دي، مازن سجد على أرض القسم وهو بيبكي بصوت عالي جداً، عياط شكر لله إن إيده متلوتثش بدم إنسان للأبد. وأنا غمضت عيني وسندت على الحيطة وحسيت إن جبل وانزاح من على صدري./
​المواجهة ودفع الثمن
​طبعاً، الموضوع منتهيش هنا. دي كانت مجرد البداية.
مازن اتحجز في القسم واتعمله محضر “إصابة خطأ وهروب من موقع الحادث”. قضى أسوأ ليلتين في حياته في الحجز، وأنا كنت بروح المستشفى أتابع حالة الشاب المصاب (اسمه محمود، متجوز وعنده بنت صغيرة).
​تكفلت بكل مصاريف علاج محمود في مستشفى خاص عشان أضمن له أحسن رعاية، ولما فاق، روحت أنا ومازن (بعد ما طلع بكفالة على ذمة القضية) عشان نعتذر له.
مازن وطى على إيد محمود وباسها وهو بيبكي وبيطلب منه يسامحه. محمود كان راجل أصيل، شاف انكسار مازن وندمه الحقيقي، وقرر يتنازل عن الشق الجنائي في القضية مقابل تعويض مادي يصلح بيه الموتوسيكل اللي كان مصدر رزقه الوحيد.
​النهاية: الدرس الذي لا يُنسى
​القضية اتقفلت بتسوية قانونية، مازن أخد حكم مع إيقاف التنفيذ بسبب تنازل المجني عليه وبسبب إنه “سلم نفسه” واعترف بالغلط. بس الدرس اللي اتعلمناه غيّر حياتنا للأبد.
​إيه اللي اتعلمناه من الكارثة دي؟
​الهروب بيحول “الغلطة” لـ “ج*ريم*ة”: كلنا معرضين نغلط، الحوادث بتحصل كل يوم. بس الفرق بين الإنسان النظيف والم*جرم، هو تحمل المسؤولية. لو مازن كان وقف وطلب الإسعاف، كان هيبقى مجرد حادث سير عادي، لكن هروبه خلاه متهم في جناية وتخلى عن إنسانيته في لحظة خوف.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *