بعد وفاء عمي

الغالي.. إنجزي بقى مش فاضيين للبطء ده!
ندى بصت للعشرين جنيه اللي على البلاط المبلول، وبصت لي.. كانت نظرة ذل ممزوجة بوجع قلب عميق. وطت ببطء، مش عشان تاخد الفلوس، عشان تلم جردلها وتمشي. انحنت بوجع وكأن ضهرها هو اللي مكسور من جوا مش مجرد تعب شغل.
وقفت ندى وبصت لشيرين بهدوء يقتل، وقالت بصوت مبحوح
المكان نضف يا هانم.. والمنظفات اللي ريحتها تصدعك دي هي اللي بتخلينا نعيش بكرامتنا وما نحتاجش لحد.. ألف سلامة على ابنك يا أستاذ.
خرجت ندى بضهر محني، وأنا وقفت زي الندل، مش قادر أنطق بكلمة. شيرين بصت لي وقالت بضحكة باردة شوفت الأشكال دي؟ فاكرين نفسهم بني آدمين بجد.. يالا يا بيبي رتب الهدوم في الدولاب.
بصيت على ندى وهي ماشية في الممر بتمسح دموعها ب كم اليونيفورم الخشن، وعرفت في اللحظة دي إن العبء الحقيقي مش ندى.. العبء هو الذنب اللي هيفضل عايش جوايا طول عمري.
خرجت ندى من الأوضة، والممر كله كان بيبلع صوت خطواتها واحدة واحدة كأن المكان نفسه مش عايز يسيبها تمشي بسهولة.
فضلت واقف مكاني، حاسس إن صدري مقفول، وكل حاجة حواليّا بقت مكتومة حتى صوت ياسين وهو بينهج من السخونية كان بعيد.
شيرين بصّتلي باستغراب إنت مالك؟ شكلك اتخنقت كده ليه؟ دي شغالة وخدت أجرها
وخلاص.
ما قدرتش أرد. عيني كانت لسه معلّقة على آخر ضهر شفته ضهر ندى وهي ماشيه محنية كأنها شايلة سنين مش جردل وممسحة.
في اللحظة دي الدكتور دخل فجأة، وشه مش مبشّر حضرتك والد الطفل؟ في تحليل طلع محتاجين نعيده في حاجة مش مفهومة في حالة ياسين.
قلبي وقع. يعني إيه مش مفهومة؟ ابني ماله؟
الدكتور سكت ثانيتين، وبصلي نظرة غريبة اللي واضح إن في شبه كبير بينه وبين حد من العاملين هنا.
بصيت حواليّا كأني بدور على تفسير، ودماغي بدأت تشتغل بسرعة جنونية.
وشيرين فجأة اتغير لونها، وابتسمت ابتسامة متوترة إيه الكلام ده؟ انتوا بتقولوا إيه؟
لكن أنا ما كنتش سامعها.
كنت سامع صوت خطى خفيفة في الممر راجعة تاني.
رفعت عيني ناحية الباب، ولقيت ندى واقفة.
بس المرة دي مش جاية تمسح.
كانت ماسكة ظرف بني صغير في إيدها، وبتبصلي مباشرة.
وقالت بهدوء مرعب أنا كنت جاية أسيب ده عند الأمن بس طالما ربنا جمعنا تاني، يبقى لازم تعرف الحقيقة.
خطوة واحدة منها دخلت الأوضة والدنيا كلها سكتت.
الطفل ده مش بس ابنك يا أستاذ
سكتت لحظة، وبصتلي نظرة كسرتني أكتر من أي حاجة
ده ابنك مني.
الصمت اللي حصل بعد الجملة دي كان أفظع من أي صراخ.
شيرين صرخت كذب! دي بتألف!
لكن أنا كنت واقف، مش شايف غير العيون



