عد الطفوله

والسياج المعدني كذلك.

المكان نفسه الذي وقف فيه يومًا طفل جائع خلف قضبان.

نزل أليخاندرو من السيارة.

حاول السائق مرافقته.

— انتظر هنا — قال أليخاندرو.

سار ببطء نحو السياج.

كان يستطيع أن يتخيل المشهد بوضوح.

طفل نحيف.

ملابس مهترئة.

بطن فارغ.

وطفلة، دون أن تعرفه، قررت أن تشاركه القليل الذي لديها.

أغمض أليخاندرو عينيه.

وللحظة… عاد طفلًا في التاسعة.

— هل تبحث عن أحد؟

أيقظه الصوت من أفكاره.

استدار.

كانت امرأة مسنّة تكنس مدخل المدرسة.

ربما كانت الحارسة.

— درست هنا منذ سنوات طويلة — قال أليخاندرو.

ابتسمت المرأة.

— كثيرون يقولون ذلك عندما يعودون.

تردد لحظة.

ثم سأل:

— هل تتذكرين طفلة تُدعى ماريانا لوبيز؟

عبست المرأة قليلًا.

— هذا اسم شائع…

أومأ.

لقد سمع ذلك كثيرًا.

وكان على وشك أن يستدير ويرحل، ككل مرةٍ سبقتها، حين تعود الأسئلة بلا إجابات، والبحث بلا نهاية، والصورة ذاتها تلاحقه في ذهنه دون أن يجد لها ملامح في الواقع…

لكن صوتها أوقفه.

— لكن… انتظر.

رفع نظره ببطء، وكأن داخله يخشى أن يكون هذا الأمل مجرد وهم جديد.

— كانت هناك ماريانا هنا منذ سنوات.

طفلة سمراء… لطيفة جدًا.

كانت دائمًا تشارك طعامها مع الآخرين.

في تلك اللحظة، لم يكن الأمر مجرد ذكرى.

كان كأن الزمن انفتح فجأة، وعاد كل شيء دفعة واحدة.

السياج.

اليد الصغيرة.

الخبز البسيط.

والنظرة التي لم ينسها أبدًا.

تسارع قلبه، ليس كقلب رجل اعتاد الصفقات والمخاطر، بل كقلب طفل عاد فجأة إلى لحظة لم يغادرها يومًا.

— هل تعرفين ماذا حدث لها؟

ترددت المرأة قليلًا، كأنها تبحث في ذاكرتها بين وجوهٍ كثيرة مرت عبر السنين.

— واجهت عائلتها صعوبات… فانتقلوا.

توقّف العالم للحظة.

ثم أضافت:

— لكن أظن أن جدتها ما تزال تعيش هنا.

شعر وكأن شيئًا ضرب صدره من الداخل.

ليس ألمًا… بل ارتطام أملٍ مفاجئ.

— أين؟

أشارت بيدها نحو شارعٍ جانبي هادئ.

— منزل أزرق… في نهاية الشارع.

لم يشكرها.

لم يقل شيئًا.

فقط بدأ يسير.

لكن هذه المرة… لم يكن السير كأي مرة.

كل خطوة كانت تحمل وزن السنوات.

كل خطوة كانت تقرّبه من احتمالٍ عاش عليه… وخاف منه في الوقت نفسه.

المنزل الأزرق كان هناك.

صغير.

بسيط.

طلاؤه متقشّر، كما لو أن الزمن مرّ عليه دون أن يلتفت إليه أحد.

لكن أمامه…

كانت الحياة.

حديقة صغيرة، فيها أزهار بسيطة، لكنها حيّة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *