عد الطفوله

وعلى الكرسي، جلست امرأة مسنّة.

لم تكن تعرفه.

لكنه شعر أنها تعرف شيئًا عنه… دون أن تدري.

— نعم؟ قالت بهدوء.

اقترب ببطء، وكأنه يخشى أن تنكسر اللحظة إن أسرع.

— عذرًا… هل أنتِ جدة ماريانا لوبيز؟

اتسعت عيناها قليلًا.

ليس دهشة كاملة…

بل بداية تذكّر.

— نعم… أنا هي.

ابتلع ريقه، وقال:

— اسمي أليخاندرو توريس.

ساد الصمت.

ليس صمتًا فارغًا…

بل صمتٌ مليء بشيء يتحرك في داخلها.

نظرت إليه… طويلًا.

كما لو أنها تحاول أن ترى ما وراء ملامحه الحالية.

ثم فجأة…

تغيّر كل شيء.

— أليخاندرو؟

أومأ، وكأنه لم يعد يثق بصوته.

ابتسمت… ابتسامة لم تكن مجرد ترحيب، بل عودة.

— الطفل الذي كان خلف السياج!

في تلك اللحظة، لم يكن رجل أعمال.

لم يكن ثريًا.

لم يكن أي شيء مما أصبح عليه.

كان فقط ذلك الطفل.

وشعر بعقدةٍ في حلقه، لم يستطع تجاوزها.

— هل ماريانا… هنا؟

هزّت رأسها بلطف.

وانكسر شيء داخله.

لكنها تابعت:

—

لا تعيش هنا.
ثم أضافت، وكأنها تعيد إليه الحياة:

— لكنها تأتي كل يوم أحد.

واليوم… يوم أحد.

توقف الزمن.

لم يكن هذا مجرد خبر.

كان وعدًا جديدًا.

— هل ستأتي اليوم؟

— بعد ساعات.

ساعات…

لكنها لم تكن مجرد وقت.

كانت اختبارًا.

جلس على المقعد الصغير أمام المنزل.

لم ينظر إلى هاتفه.

لم يتفقد ساعته.

لم يفكر في عمله.

لأول مرة منذ سنوات…

لم يكن لديه شيء أهم من الانتظار.

مرت الدقائق ببطء شديد.

ثم الساعات.

لمحة نيوز

تحرّكت الشمس ببطء نحو الغروب.

والضوء تغيّر.

والهواء أصبح أكثر هدوءًا.

وكأن العالم كله ينتظر معه.

ثم…

صوت خطوات.

بسيطة.

عادية.

لكن بالنسبة له…

كانت كصوت قلبه.

رفع رأسه.

ورآها.

لم يكن بحاجة إلى تأكيد.

لم يكن بحاجة إلى اسم.

كان يعرف.

شعر داكن.

بشرة سمراء.

خطوات هادئة.

وابتسامة… تحمل نفس الطيبة التي لم تغادر ذاكرته يومًا.

وعندما رفعت نظرها…

ورأته…

توقفت.

ليس لأنّه غريب.

بل لأنّه مألوف… أكثر مما ينبغي.

تجمّدا معًا.

كأن الزمن عاد إلى تلك اللحظة القديمة.

لكن هذه المرة…

لم يكن هناك سياج.

كانت ماريانا أول من نطق:

— أليخاندرو؟

لم تكن

مجرد كلمة.
كانت تأكيدًا.

كان اعترافًا بأن الذكرى لم تمت.

— نعم.

قالها، وكأن كل السنوات خرجت مع هذا الصوت.

اقتربت ببطء.

نظرت إليه، كأنها تحاول أن تجمع بين الطفل الذي عرفته… والرجل الذي أمامها.

— لا يمكن…

أخرج الإطار.

الشريط الأحمر.

ذلك الجزء الصغير من الماضي… الذي لم يتخلّ عنه يومًا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *