لقيت مفاتيح غريبه

لقيت مفاتيح غريبة في جيب جاكت جوزي، ولما رحت أفتح بيها كنت فاكرة إني هلاقي مكتبه، بس لقيت الحياة السرية اللي بناها ورا ضهري عشان يمحيني من وجوده كأنني مكنتش!.. الجملة دي مكانتش مجرد شكوك ووساوس ستات، دي كانت اللحظة اللي اكتشفت فيها إن جوزي وحبيب عمري بقاله 11 سنة بيخطط عشان يخلص مني، ومكنش يتخيل إن المفتاحين اللي دفع ثمنهم في محل حدائد وبويات في دار السلام هيكونوا هما أول خيط يهد الإمبراطورية اللي بناها من ورايا، والمواجهة اللي هتبدأ من باب الجراج ده هتقلب حياته جحيم!
المفاتيح دي مكنش المفروض تكون موجودة أصلاً، دي أول حاجة عرفتها، مش شكيت فيها ولا سألت نفسي عنها، لأ.. عرفتها وكنت متأكدة، المفاتيح كانت قديمة أوي وشكلها بلدي، ومستحيل تكون تابعة لمكتب المحاماة الشيك بتاع طارق جوزي اللي في وسط البلد، شكلها كان عادي وتقليدي، بس وزنها في الإيد تقيل، ومخبية بوجع وقصد جوه الجيب الدخلاني لجاكت بدلة كان طارقه ومطبقه وحاطه فوق خالص في الدولاب، كأنه بيخبي حرز جريمة وفاكر إن مفيش إيد هتوصل له أبداً، جوزي قالي إنها مفاتيح تخص الشغل، بس المفاتيح دي فتحت جراج قديم في آخر الدنيا في حي المطرية، ولما رفعت الباب الصاج الأخضر ده، ملقيتش عِدد ولا أدوات شغل، ملقيتش كراتين قديمة ولا حتى زينة رمضان المنسية أو مشروع مكملوش ومكسوف يوريهولي، أنا لقيت الحياة اللي طارق كمال كان بيبنيها من ورا ضهري السنين دي كلها، حياة أنا مكنتش فيها مراته وحبيبته، أنا كنت مجرد عقبة وعاوز يزيحها من طريقه، قبل ليلة الأربع الشؤم دي في شهر سبتمبر، لو حد كان سألني كنت هقوله إني عارفة جوزي أكتر من أي بني آدم عايش على الأرض، أنا وطارق متجوزين بقالنا 11 سنة، عايشين في شقة واسعة ودورين في التجمع، بلكونتها كبيرة وفيها زرع ورد بلدي بيفتح كل الصيف، كأن الشقة نفسها بتحاول تقنع الغرباء والناس في الشارع إننا عايشين

في تبات ونبات، من بره، حياتنا كانت تبرق، شياكة، ومركز، وأمان، هو محامي معروف في شركة كبيرة في القاهرة، وأنا أخصائية نفسية في مدرسة ثانوي، عندنا نوتة مشتركة على التلاجة بنكتب فيها طلبات البيت، ومجات شبه بعض شارينها من مصيفنا في دهب، وأوضة ضيوف كنا زمان بنحلم نقلبها أوضة أطفال قبل ما الدنيا تعلم الصبر وتعرفنا إن مش كل حلم بيبقى أوضة بسراير صغيرة وستائر صفراء، طارق مكنش بتاع حركات ودراما، وده اللي خلاني أثق فيه وأسلم له أماني، مكنش من النوع اللي يجيب ورد للمدرسة أو يقف يعمل خطب في عزومات العيلة، كان بيبين حبه في حاجات صغيرة، كان يفتكر يفول عربيتي قبل ما الجو يمطر، ويعمل هو القهوة صباحية يوم السبت قبل ما أصحي، ويبعتلي رسالة لو هيتأخر في المحكمة، ويقعد يسمعني وأنا بتكلم عن مشاكل الطلبة بتوعي، أو على الأقل كنت فاكرة إنه بيسمعني، وللسنين دي كلها، أنا فهمت هدوءه ورزانته غلط وافتكرتهم صراحة وأمانة، أول تغيير كان صغير لدرجة إني كدت مأخدش بالي منه، في شهر فبراير، طارق بدأ يدخل الحمام بالموبيل، في الأول م حطيتش في دماغي، كل الناس بتعمل كدة، كله بيقلب، كله بيرد على إيميلات، البني آدم ساعات بيتعلق بموبايله زيادة لما الشغل يتقل والدنيا دوشتها تكتر، بس الإحساس كان مقبوض ومش مريح، مش عشان الموبيل نفسه، لأ، عشان الطريقة اللي كان بيشيله بيها، الشاشة دايماً باصة لتحت، وصوابعه مغطية العرض، كان بيعمل كدة بخفة باين إنها متجربة ومدروسة، وبعدها بدأت السهرات بره البيت، كل تلات وخميس، كان يفك رابطة الكرافتة وهو ساند على رخامة المطبخ وأنا بسخن شوربة لسان عصفور ويقول قضية شركات كبيرة وجلسات في مدينة نصر، قولتله تاني؟، بص لي بابتسامة تعبانة وقال تاني يا فريدة، الموكلين كل شوية يغيروا أقوالهم والورق كتير، إنتي عارفة الشغل ومشاكله، أنا مكنتش عارفة، بس كنت عارفة الجواز بيمشي إزاي، أو كنت فاكرة إني عارفة، إنتي بتصدقي الراجل اللي بينام جنبك بقاله 11 سنة لأن العكس معناه إنك هتعيشي في شك يهد حيلك وإنتي معكيش دليل في إيدك، فقولتله الله يعينك، أكيد هلكان، لف من ورا الرخامة، وباس راسي وقال فعلاً هلكان، في الربيع ده، بقى حريص بشكل غريب على الجواكت بتاعته، طارق طول عمره مهمل في لبسه، يرمي الجاكت على كرسي السفرة، يحدف بالطو على الكنبة اللي جنب الباب، ويسيب جزمته مطرح ما يقلعها حاجة كانت بتضايقني بالمنطق الطبيعي بتاع أي اتنين متجوزين بيقرروا يضايقوا بعض في تفاصيل صغيرة، بس فجأة، بقى هو اللي بيعلق كل جاكت بإيده، في كل مرة، أول مرة خدت بالي، ابتسمت وقولتله يا سيدي على النظام، إنت بدأت تتصلح وتسمع الكلام أهو، ضحك وقالي بحاول أكون خفيف ومضايقكيش، كان لازم أفتكر الجملة دي كويس، بحاول، في شهر أبريل، لقيت بون في درج الكراكيب وأنا بدور على حجارة ريموت، بون من محل حدايد وبويات في دار السلام، صب مفتاحين نسخة، سبعة وأربعين جنيه وفكة، فضلت ماسكة البون بين صوابعي دقيقة كاملة قبل ما أنده على الصالة طارق؟، ظهر عند الباب وهو رافع نظارة القراءة فوق راسه وقال إيه يا فريدة؟، قولتله مفاتيح إيه دي اللي عملت منها نسخة؟ Target، وشه متغيرش، وده اللي رعبني وجننني بعدين، ولا الهوا، ولا حتى رمشة عين، بص للبون وقال ببساطة آه، دي مفاتيح المكتب الجديد، صاحب العمارة طلب من كل المحامين يعملوا نسخ احتياطية بعد حكاية القفل اللي باظ، قولتله قفل إيه اللي باظ؟.
يا ترى طارق مخبي إيه جوه الجراج القديم ده وإيه السر اللي هيقلب حياة فريدة لما تفتح الباب الصاج، وهل طارق بيخطط لمصيبة أكبر تنهي وجودها خالص؟ اللي جاي صدمة هتهز البيوت كلها!
فريدة كانت لسه ماسكة البون بين صوابعها، وباصّة لطارق وهو واقف قدامها بمنتهى الهدوء، نفس الهدوء اللي كانت زمان بتعتبره أمان، لكنه دلوقتي بقى يخوف.
قالت وهي مركزة في عينيه قفل إيه اللي باظ؟
طارق شرب رشفة مية ورد بسرعة باب المخزن بتاع المكتب الجديد، مالك يا فريدة؟ عاملة تحقيق ليه؟
ابتسمت بالعافية وهزت كتفها ولا حاجة.
بس من جواها
كان
فيه باب اتفتح.
باب شك.
والشك لما يدخل بين اتنين متجوزين، بيقعد ياكل في كل ذكرى حلوة زي السوس.
بعد الليلة دي، فريدة بقت تلاحظ حاجات كانت بتعدي زمان عادي.
ريحة برفان ست مش بتاعتها على ياقة قميصه.
رسالة اتقفلت بسرعة أول ما دخلت الأوضة.
تحويلات بنكية صغيرة لحساب باسم ل م.
وساعات اختفاء طويلة بدون سبب مقنع.
لكن أكتر حاجة كانت بتخوفها
إن طارق بقى حنين زيادة.
يبوس راسها كتير.
يسألها إذا كانت تعبانة.
يجيب لها هدايا فجأة.
وكأن واحد جواه بيعتذر عن حاجة، والتاني بيخطط لها.
ليلة الخميس
الفرصة جات.
طارق دخل ياخد شاور بعد ما رجع متأخر.
وساب الجاكت على الكنبة.
فريدة قربت ببطء.
طلعت المفتاحين.
وقلبها كان بيدق لدرجة حست إن صوت دقاته هيصحي البيت.
لبست بسرعة، ونزلت بالعربية.
الساعة كانت داخلة على واحدة بعد نص الليل.
والمطر بيغسل شوارع القاهرة.
كل ما تدخل ناحية المطرية، الدنيا كانت بتضلم أكتر.
لحد ما وصلت للعنوان اللي جابته من تتبع صغير حطته قبلها بأسبوع في عربية طارق.
وقفت قدام الجراج.
باب صاج أخضر قديم.
باين عليه الصدأ والوحدة.
المكان شكله مهجور.
لكن كان فيه نور خافت طالع من تحت الباب.
فريدة بلعت ريقها.
دخلت المفتاح.
لف.
والباب فتح بتكة خفيفة.
ولما رفعته
شهقتها خرجت غصب عنها.
المكان ماكانش جراج.
كان شقة كاملة.
مرتبة.
دافية.
وعايش فيها ناس.
كنبة رمادي.
مطبخ أمريكاني صغير.
ستارة بيضا عليها ورد أزرق.
وصور.
صور طارق.
في كل مكان.
بس مش معاها.
مع ست تانية.
ست أصغر منها.
جميلة بطريقة هادية.
وفي صورة كانت حامل.
فريدة حسّت ركبها بتضعف.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لسه.
على الحيطة المقابلة
كانت فيه سبورة كبيرة متعلقة.
عليها تواريخ.
وملفات.
وأوراق مكتوب عليها اسمها هي.
فريدة كمال.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *