لمده ست سنين

كلمة أرملة كانت بتخنقني كل ما تيجي على بالي.
كنت بطرد الفكرة فوراً.
لأ.. ابني مش ميت.
ابني مشغول.. مطحون في الغربة.. بيجمع قرش عشان يعمل لنا مستقبل.
ده اللي هناء كانت بتقوله.. وده اللي كنت بصدقه.
لحد يوم الثلاثاء اللي فات.. روحت البنك لوحدي.
هناء قالت إنها رايحة السوق تشتري خضار.
فرع بنك التنمية والائتمان كان زحمة جداً.
فلاحين بجراراتهم.. ستات كبار مستنيين المعاش.. ورجالة بتتخانق على تحديث البيانات.
المروحة اللي في السقف كانت بتلف ببطء كأنها زهقت من أسرار الناس.
لما جه دوري، الموظفة الشابة، نهى، ابتسمت لي
يا خالة سعاد، فين مرات ابنك النهاردة؟
قلت لها في السوق.. شوفي لي يا بنتي الفلوس بتاعة أحمد وصلت ولا لأ؟
دخلت رقم الحساب.. وفجأة صوابعها وقفت.
بصت للشاشة.. وبعدين بصت لي.. وبعدين بصت ورايا.
ابتسامتها اختفت.
يا خالة، قالت بصوت واطي، ممكن تتفضلي تقعدي دقيقتين؟
قلبي قبضني.
ليه؟ الفلوس ما جتش؟
لأ، الفلوس موجودة.
أمال في إيه؟
وطت صوتها أكتر
إنتي دايما بتقولي إن ابنك بيبعت من أمريكا، صح؟
هزيت راسي أيوه.. من هيوستن.
وشها اصفر
يا خالة.. التحويلات دي عمرها ما جت من بره مصر.
صوت الزحمة في البنك فجأة اختفى من وداني.
بتقولي إيه؟
لفت الشاشة ناحيتي شوية وهي بتحاول تداريها عن اللي واقفين
ده حساب محلي.. من نفس الفرع ده. ومفتوح هنا في القرية من ست سنين.
سندت على الرخامة عشان ما أقعش
لأ.. أحمد في أمريكا.
عينيها كان فيها شفقة.. وأنا كرهت الشفقة دي.
ده مش تحويل خارجي يا خالة.. ده إيداع نقدي عادي من حساب مفتوح باسم…
سكتت.
ريقي نشف باسم مين؟
همست أحمد كمال الصاوي.
ركبي خارت حساب ابني؟
أيوه.. بس…
بس إيه؟
بصت ناحية مكتب المدير ورجعت بصت لي
العنوان اللي متسجل في الحساب مش أمريكا.. العنوان هو شارع ٣، خلف الجامع الكبير.
على بعد تلات شوارع من بيتي.
تلات شوارع.
طول ست سنين، كنت بلمس شاشة التليفون لما الرسالة تيجي وأعيط وأقول يا رب احمي ابني في بلاد الغربة.
وهو كان على بعد تلات شوارع مني.
أو اسمه هو اللي كان هناك.
خطفت الدفتر من إيدها ومين اللي بيسحب من الحساب ده؟
وش نهى اتغير يا خالة أرجوكي بلاش تسألي هنا.
انطقي!
قربت مني جداً فيه توكيل سحب وصرف لشخص تاني.
أطراف صوابعي اتلجت مين؟
هناء عبد العزيز.. مرات ابنك.



