لمده ست سنين

الدنيا لفت بيا.

هناء اللي كانت بتعيط بدموع ناشفة.

هناء اللي كانت بتملى الأوراق.

هناء اللي كانت بتقولي متسأليش كتير عشان شغل أمريكا معقد.

هناء اللي كانت بتنام في أوضة جوزي الله يرحمه وقافلة أوضة أحمد بالترباس.

خرجت من البنك من غير ما أعد الفلوس.

الشمس بره كانت حارقة بشكل غريب.

الطريق للبيت كان أطول من الست سنين اللي فاتوا.

كل صوت بقى حاد وبيوجع.. زميرة مكنة.. صفارة حلة بريستو.. ستات بيفاصلوا في البصل.. كلب بيهوهو ناحية الجامع.

ضربات قلبي كانت عالية لدرجة إني تخيلت إن الناس سمعاها.

لما وصلت، باب البيت كان موارب.

شنطة ياسين كانت مرمية جنب الكنبة.

لا الولد موجود.. ولا هناء.

سمعت صوت خبط معدن في الأرض جاي من جوه.

مشيت بالراحة ناحية الأوضة اللي ورا.. أوضة أحمد.

الأوضة اللي هناء قفلاها ست سنين.

مش قادرة أشوف حاجته يا ماما، كانت بتقول كدة.

حطيت إيدي على حلق الباب.

جوه، هناء كانت مدياني ضهرها.

رابطة طرحتها على وسطها وجسمها كله عرق.

في إيدها جاروف حفر حديد.

وفي الأرض، تحت سرير أحمد الخشب، البلاط كان مخلوع.

وتراب لسه مندي طالع من تحت.

نفسي انقطع هناء!

اتسمرت مكانها.

لفت بالراحة.. ولأول مرة من ست سنين، شفت الخوف الحقيقي في عينيها.

مش صدمة.. مش حزن.. ده رعب.

ماما، قالت بصوت مهزوز، إنتي جيتي بدري ليه؟

عيني راحت من الجاروف للأرض المحفورة

بتحفري إيه؟

مسكت الجاروف أقوى مفيش.. فئران.

فئران تحت البلاط يا هناء؟

شفايفها كانت بتترعش بيت قديم.. وأي حاجة ممكن تحصل.

دخلت الأوضة.

الريحة خبطت في نفوخي.. ريحة تراب مبلول.. صدى حديد.. وحاجة تانية مالهاش اسم بس خلت عضمي يفتكر ريحة المدافن.

سألتها فين أحمد؟

وشها بقى زي الأموات في أمريكا.

رفعت دفتر البنك في وشها لأ.

عينيها راحت للدفتر، وفهمت إني عرفت الحقيقة.

يا ماما اسمعيني…

ست سنين، همست وأنا بتهز، والفلوس بتتحول من هنا.. من البلد.

بلعت ريقها بصعوبة أحمد هو اللي رتب كل ده قبل ما يسافر.

ماتكذبيش!

والله ما بكذب!

أمال بتحفري في أوضته ليه؟

رجعت خطوة لورا.

وفجأة، تحت السرير، فيه طرف حاجة ظهرت من وسط التراب.

طرف كيس بلاستيك أسود.

قلبي وقف.

قربت منها، هناء رمت

 

 

—

 

 

الجاروف ووقفت سد قدامي بلاش يا ماما.. بلاش.

الكلمة دي أكدت لي كل حاجة.

ضربتها بالقلم.

مش قلم غل.. ولا قلم غضب.. كان قلم بكسر بيه الحيطة اللي بيني وبين الحقيقة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *