كلمه لا

وحماتها فرحانة.
وأحمد ماشي بين الضيوف يقول بفخر:
— كله من شغل منى.
وفي آخر اليوم وقعت على السرير من التعب.
رجليها كانت هتنكسر.
وضهرها واجعها.
ومحدش حتى قال لها:
“تعبانة يا منى؟”
وقتها كانت بتقنع نفسها إنهم بس مش واخدين بالهم.
لكن دلوقتي فهمت الحقيقة.
لفت ناحيته وقالت بهدوء:
— يا أحمد… عمرك سألتني أنا عايزة إيه؟
سكت.
ثانية واحدة.
وبعدين قال:
— طول عمرك بتحبي الناس كلها تبقى مبسوطة… خليهم ينبسطوا المرة دي كمان.
في اللحظة دي منى فهمت حاجة كانت بتحاول تهرب منها سنين.
إن كلمة “إحنا” عند أحمد موجودة طول ما كل حاجة ماشية على مزاجه.
حكايات منــال عـلـي
مسحت إيديها في فوطة المطبخ.
ووقفت مستقيمة.
يمكن لأول مرة من بداية الكلام.
وبصت له في عينيه وقالت:
— لأ.
الكلمة خرجت هادية…
بس حاسمة.
— المرة دي مش هاجي.
أحمد خبط الكوباية على الترابيزة بعصبية.
شوية قهوة اتنطروا على المفرش.
فتح بقه عشان يتكلم…
بس ماعرفش يقول حاجة.
كان بين الغضب والصدمة.
وفجأة باب الشقة اتفتح.
ودخل عمر وهو بيقول بصوته المليان طاقة:
— مسا الخير يا جماعة!
الصوت جه كأنه فاصل بين زمان ودلوقتي.
حصري على صفحه روايات واقتباسات
أحمد رمى المنديل وقام من مكانه.
كان عايز يقول حاجة.
لكن سكت.
برا المطر زاد.
وصوت الهوا بقى أعلى.
بصلها تاني وقال بصوت واطي:
— بجد يا منى؟ بجد هتسيبي عيد ميلاد أمي علشان مسرح؟
منى بصت له بهدوء.
وأضواء العربيات كانت بتلمع من الشباك وراها.
وقالت:
— لا يا أحمد…
أنا مش باختار المسرح.
أنا باختار نفسي.
الصمت ملّى المطبخ.
صمت تقيل.
لدرجة إن صوت الساعة على الحيطة كان مسموع.
وفجأة شاشة الموبايل نورت.
رسالة من نهى:
“ما تنسيش المسرح بكرة… إحنا في أول صف.”
بصت منى للرسالة.
وابتسمت ابتسامة صغيرة.
واتحركت ناحية الشماعة عشان تجيب الجاكيت.
لكن قبل ما تمد إيدها…
سمعت أحمد بيقول بصوت واطي جدًا…
كأنه بيهمس…
يتبع…
الجزء الثاني 👇🏼
لو خرجتي ودلوقتي يا منى… يبقى مفيش رجوع، والباب اللي يتقفل مش هيتفتح تاني!
الكلمات خرجت من بوق أحمد وهي متعلقة في الهوا.. نصها تهديد وناشف، ونصها رجاء وخوف من اللي جاي.
لكن منى مبصتلوش أصلاً. كانت بتلبس الجاكيت بتاعها بمنتهى البرود والهدوء، وصوت قماش الجاكيت بين إيديها كأنه هو كمان حاسس إن في حاجة كبيرة وثقيلة بتخلص الليلة دي في البيت ده.
قالت وهي بتقفل الزراير زرار زرار وعينيها في الأرض:
— يمكن فعلاً ميبقاش فيه رجوع يا أحمد… بس يمكن ألاقي نفسي اللي تاهت مني من سنين وكنت مضيعاها.
لفت ضهرها، وسحبت شنطتها، ونزلت. هبدة الباب وراها كان ليها صدى مرعب في الشقة حصري على صفحه روايات واقتباسات
الجو بره في الشارع كان ساقعة شوية، والهوا محمل بريحة التراب والمطر اللي لسه نازل من شوية صُغيرين. نقط المطر الخفيفة اللي كانت بتنزل على وشها، كأنها بتغسل كل الضغط والنكد والتوتر اللي عاشته في آخر ساعة جوة المطبخ. حكايات منــال عـلـي
كانت ماشية بخطوة سريعة وواثقة ناحية موقف الأتوبيس. ولأول مرة من سنين طويلة… حست إن قلبها بيدق بجد. مش دقات خوف، ولا قلق من خناقة تانية، لأ.. دي كانت دقات فوقان، حاسة إن الروح ردت فيها وأخيراً بقيت عايشة وموجودة.
لما وصلت قدام المسرح، استقبلها نور المكان الدافي، ودوشة الناس الصاخبة، وريحة القهوة والكرواسون الطالعة من الكافيه الصغير اللي في المدخل. الأجواء دي خدتها لعالم تاني خالص بعيد عن المواعين والمحاشي والالتزامات اللي متفصلة عليها بالعافية.
أول ما شافتها نهى من بعيد، قامت من مكانها وجريت عليها وحضنتها جامد. نهى كانت لابس فستان كحلي شيك، ووشها منور بضحكتها الخفيفة كالعادة. وقالت لها وهي مش مصدقة:
— يا نهار أبيض! إنتِ جيتي بجد؟! يا بنتي أنا كنت قاعدة حاطة إيدي على خدي ومستنية رسالة اعتذار وتقوليلي أحمد قفش وعمل حكاية!
ابتسمت منى ابتسامة صافية وقالت:
— هو مقفشش وبس.. ده ما وافقش أصلاً يا نهى.. أنا اللي قررت أنزل وأسيبه.
نهى ضحكت بصوت عالي من قلبها، وضحكت معاها منى.. ضحكة طالعة من غازات القلب المحبوسة، ضحكة كانت مشتاقة لها بقالها سنين.. الضحكة دي رجعتها لورا، لليام الكلية لما كانت منى البنت الشقية اللي مبتشيلش هم، قبل ما تدخل دوامة “الست المدبرة الشغالة”.
دخلوا العرض، وطول الساعتين منى كانت منفصلة عن العالم، بتشرب كل كلمة وكل حركة على المسرح، كأنها بتعوض حرمان سنين.
وووو
يتبع…
الجزء الثالث 👇🏼
بعد ما العرض خلص، والستارة نزلت، والجمهور كله وقف يسقف بحرارة والإستاد اتقلب ضجة، منى مقامتش من مكانها علطول. قعدت على الكرسي بتاعها شوية، وحاسة بحالة غريبة بتغمرها من جوة.
مش فراغ.. ومظنش إنه حزن.. ده كان هدوء! هدوء صافي ولأول مرة من غير ضغوطات، من غير طلبات مستعجلة، من غير ما يكون في حد مستني منها حاجة أو بيحملها جميلة إلها عايشة. هدوء يخصها هي وبس.
في طريق رجوعها للبيت، الجو برد أكتر، وكانت دي أول نوة شتوية حقيقية تقلب الجو في السنة. نقط المطر بدأت تزيد وتنزل على شعرها وجاكتها وتعمل علامات وتختفي.
وقفت لحظة تحت عمود نور أصفر في الشارع، ورفعت وشها للسما وسابت المطر يلمس جلدها. النور الأصفر كان راسم ملامح وشها الرايقة. وبصت بالصدفة في فاترينة محل مقفول.. وشافت انعكاس صورتها في الإزاز.
فضلت باصة لثواني طويلة.. وكأنها أول مرة تشوف نفسها بجد من غير مراية الحمام المستعجلة الصبح. شافت ست هادية، ملامحها قوية، واقفة على رجليها بصلابة.. ست حقيقية مش نسخة من رغبات غيرها.
لما فتحت باب الشقة ورجعت، كانت الساعات دخلت في بعد نص الليل. الشقة كلها كانت كحل وساكتة، وواضح إن الكل نام.. عمر وأحمد. بس نور المطبخ الصغير كان لسه سهران ومنور.
دخلت المطبخ بهدوء عشان تشرب، ولقت ورقة صغيرة مقطوعة من كشكول ومحطوطة على الترابيزة جنب كوبة شاي فاضية. مسكت الورقة وقرت الخط الملعبك:
“منى…
سامحيني. أنا مش فاهم إيه اللي بيحصل بالظبط وليه قلبتي الدنيا كده. الأكل في الميكروويف لو جعتي.. وأنا بجد مش عارف أعمل إيه ولا أتصرف ازاي مع أمي.. أحمد.”
فضلت باصة للورقة شوية، وريحة القهوة اللي أحمد كان بيشربها كانت لسه لقطة في الورقة. الغريب إنها لما قرت الكلام، محسّتش بنار الغضب ولا زعل.. حست بحاجة شبه الشفقة.. صعبان عليها أحمد في قلة حيلته، وصعبان عليها نفسها، وعلى السنين اللي عدت من عمرهم وهما ماشيين في الساقية بالعادات والتقاليد والواجبات، من غير ما حد فيهم يقف ويسأل التاني: “إنت مبسوط؟ إنت عايز إيه فعلاً؟”.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، كأنها بتودع مرحلة كاملة من عمرها وطاعتها العمياء، وطبقت الورقة بالراحة خالص، وحطتها في درج المطبخ جنب الفواتير القديمة.
بعد أسبوع بحاله من الصمت الجاف في البيت، أحمد هو اللي طلب يقابلها بره ويتكلموا بعيد عن البيت والولد. اتقابلوا في كافيه قديم في وسط البلد كانوا دايماً بيروحوه أيام الخطوبة وزمان.. نفس المكان اللي قعدوا فيه أول مرة بالورقة والقلم يحسبوا أقساط الشقة والشبكة قبل الجواز.
القهوة المرة دي كانت نازلة مُرّة شوية زيادة.. بس الكلام.. الكلام كان صادق ونضيف بشكل غريب، لأول مرة من سنين طويلة. أحمد كان بيسمع.. وبجد بيسمع! من غير ما يقاطعها، ومن غير ما يرفع صباعه يدافع عن نفسه ويطلعها هي اللي غلطانة كل دقيقة.
قعد يفرك في إيديه وبعد فترة صمت قال بصوت واطي:
— والله يا منى… ما كنت أعرف ولا يجي في بالي إنك شايلة كل ده جواكِ، وإن الحاجات دي فرض وتقيلة عليكي.. أنا كنت دايماً شايفك شاطرة وبتعمليها بحب، فكنت فاكر إنك بتنبسطي لما بتشرفينا قدام قرايبنا.
بصت له منى في عينيه وقالت بمنتهى الهدوء والراحة:
— وأنا كمان كنت فاكرة نفسي بحب كده يا أحمد.. بس طلعت بعمل كده عشان أرضيك أنت وأمك، ونسيت نفسي في النص.
سكتوا هما الاتنين، وصوت معالق الكافيه والناس حواليهم ملّت الفراغ. وبعد ما خلصوا، قاموا وأحمد عرض عليها يوصلها بالعربية وهو بيطلع المفاتيح من جيبه.
هزت راسها بابتسامة خفيفة وقالت:
— لأ.. شكراً يا أحمد، حابة اتمشى شوية لوحدي.
وقفوا عند باب الكافيه، وقبل ما يلف ويروح لعربيته، بصلها بتمعن كأنه بيقرا ملامح جديدة وقال لها بنبرة فيها دهشة:
— إنتِ اتغيرتي أوي يا منى.. في حاجة فيكي بقت مش هي.
ابتسمت منى، وبصت للطريق وقالت:
— لأ يا أحمد… أنا متغيرتش.. أنا بس افتكرت أنا مين.. واعتذرت لنفسي.
سابته ومشت في زحمة الشارع. أصوات الكلاكسات والعربيات كانت مالية المكان، وأنوار المحلات الإعلانات بتلمع حواليها وتنعكس على رصيف الشارع الواسع. عدت من قدام مكتبة كبيرة ليها واجهة إزاز عريضة، ولما بصت ولمحت صورتها، شافت الانعكاس تاني..
جاكيت رمادي غامق شيك، ضهر مفرود ومرفوع، وابتسامة هادية ومرتاحة على وشها. وقفت ثانية واحدة، وبصت لعينين صورتها في الإزاز، وهمست لنفسها بصوت مبحوح:
— أخيرًا… ده عيدي أنا بقا.
وكسرت خطوتها وكملت طريقها وسط الناس….
. من غير ما تبص وراها ولا خطوة واحدة.
تمت



