دوب رجعنا من شهر العسل

الباكر، خرجت لأجد إيهاب يتظاهر بالانشغال بالهاتف، ووجهه يختبئ وراء قناع من البرود المصطنع. تجاهلته تماماً، جهزت قهوتي، وارتديت ملابس الرياضة، وتأهبت للخروج.
على فين؟ سأل بنبرة حاولت أن تكون حازمة لكنها خلت من الثقة.
على النادي، محتاجة أفك عضلاتي. قلتها دون أن ألتفت.
مفيش خروج يا مريم، ده مش أسلوب تعامل، إحنا محتاجين نقعد ونتكلم في أصول بيتنا الجديد.
ضحكت بسخرية. اقتربت منه حتى أصبحنا وجهاً لوجه، رأيت في عينيه ارتباكاً لم أعهده.
يا إيهاب، الأصول اللي بتتكلم عنها اتدفنت في اليوم اللي فكرت فيه ترفع حزامك في وشي. أنت متجوز مدرسة تربية رياضية، يعني عارفة كويس إزاي أفرق بين الخصم وبين اللي محتاج تربية. وفر كلامك لأمك، هي أكيد عندها خطط تانية لينا.
خرجت وتركت الباب خلفي يدوي، تاركة إياه يغلي في سمومه.
خلال الأيام التالية، بدأت الحقائق تتكشف كأحجار الدومينو. بدأت ألاحظ زيارات متكررة من حماتي التي كانت تتصل به في أوقات غريبة، وترسل له رسائل طويلة على واتساب. في إحدى المرات، نسى هاتفه مفتوحاً على الطاولة. فضولي قادني لما هو أبعد من مجرد نصائح أمه.
قرأت رسائل مسجلة باسم سعاد. لم تكن مجرد أم تنصح ابنها، كانت شريكة في تدبير.
لازم تكسر شوكتها يا إيهاب، البنت دي لو اتعودت على استقلالها، هتضيع من إيدك. استمر في التضييق عليها، ولو رفضت، خد المفتاح بتاع حسابها البنكي، مفيش ست بتتمرد وهي محتاجة.
البنت التانية سألت عنك، وبتقول إنها لسه مستنية الوعد اللي قطعته لها قبل الفرح.
هنا أدركت الحقيقة المرة؛ إيهاب لم يكن يبحث عن زوجة، كان يبحث عن واجهة اجتماعية يرضي بها أمه، بينما قلبه وحياته مشغولان بامرأة أخرى، وربما كان الجواز مجرد صفقة لجمع الأموال أو لتغطية أخطاء ماضية.
بعد أسبوع من حرب الباردة، عاد إيهاب إلى البيت ومعه أمه. دخلت السيدة فوزية بوقار مصطنع، وبدأت في إلقاء محاضرات عن طاعة الزوج. لم أقطع حديثها، تركتها تفرغ سمومها حتى انتهت، ثم ابتسمت ابتسامة باردة جداً.
خلصتي يا طنط؟ سألت بهدوء.
انتفضت السيدة طنط؟ إنتي قليلة الأدب!
قليلة الأدب لما أحمي نفسي من ابنك اللي كان ناوي يضربني بحزامه في رابع يوم جواز؟ ولا لما أكتشف إنه لسه بيشوف سعاد اللي وعدها بوعود تانية؟
تحول وجه إيهاب إلى اللون الأصفر الشاحب. سقط القناع تماماً.
إنتي… إنتي بتراقبي تليفوني؟
أنا بتابع تحركاتي في بيتي. يا إيهاب، إنت وأمك فاكرين إنكم بتمثلوا مسرحية، لكن المسرحية دي خلصت. أنا مش مريم المسكينة اللي هتعيط وتستنى رضاكم. أنا مريم اللي أبوها وجدها علموني إزاي أقطع إيد اللي يتطاول، وأكسر عين اللي يخون
حاولت السيدة فوزية الھجوم، لكنني أشرت بإصبعي إلى الباب.
بره. حالا. والمفتاح اللي إيهاب بيفتكر إنه
بيتحكم فيه، ده
مفتاح شقة أنا اللي دافعة تمن فرشها من عرق جبيني، وإيهاب ده لولا مرتبي كان هيفضل يجمع في تمن تلاجة سنين.
خرجت الأم وهي تهدد وتتوعد، لكن إيهاب بقي متجمداً، محطماً. سقط على الكنبة يبكي، ليس حزناً على زواجنا، بل حزناً على انكشاف أمره، على ضياع الفرصة في السيطرة.
لم يدم الزواج أكثر من شهرين. لم يكن هناك ضړب، ولا إهانات، بل كان هناك قرار. أخذت أشيائي، وشهادة الطلاق، وعزتي التي لم أسمح لها بأن تهان.
جلست في غرفتي بعد أن رحلوا جميعاً، نظرت إلى الننشاكو المعلق على الحائط، وتذكرت كلمات جدي القوة مش عشان نتشطر على حد، لكن عشان نحمي كرامتنا.
لم تكن تجربتي مع إيهاب فخاً كما ظننت، بل كانت اختباراً لقوتي الداخلية. لقد تعلمت أن المرأة ليست جوهرة تُحبس في صندوق، بل هي كيان حر، لا يرضى إلا بالندية والاحترام.
اليوم، أقف في ملعبي، أصفر بصفارتي، وأدرب جيلاً من الفتيات على أن القوة تبدأ من العقل قبل العضلات. أما إيهاب؟ فلم يعد أكثر من ذكرى باهتة لدرس قاسٍ، درس علمني أن أختار بعقلي قبل قلبي، وأن لا أسمح لأي حزام أو قيد بأن يمس حريتي، فمريم التي تتقن فن القتال، تتقن أيضاً فن البدايات الجديدة.
والحياة.. مستمرة، بأقوى مما كانت.
تمت.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *