حين يري الوحش

وهما بيفطروا، جرس الباب رن، ودخلت الخادمة ومعاها ظرف أسود غريب مكتوب عليه اسم سليم ونور مع بعض. سليم فتح الظرف ببرود، بس ملامحه اتغيرت فجأة وعينه شرزت نار.
نور بقلق:
— في إيه يا سليم؟ وشك اتقلب ليه؟
سليم رمى الصور على التربيزة ببرود يسبق العاصفة، ملامحه كانت زي الصخر وعروق إيده برزت كأنها حبال مشدودة. نور مسكت الصور وإيدها بتترعش، وشها اصفر من الصدمة وبصت لسليم برعب:
— سليم.. والله العظيم الصور دي كدب! أنا عمري ما شفت الشخص ده غير في الحفلة، أنا مش عارفة الصور دي اتصورت فين وإمتى!
نور كانت بتنهج، مستنية سليم ينفجر فيها أو يطردها، بس سليم فضل ساكت تماماً، عينه كانت مركزة في الصور بجمود يخوف.
نور بدموع:
— صدقني يا سليم.. إنت عارف إني ماليش غيرك، أنا مستحيل..
سليم قاطعها وهو بيقوم يقف، طوله الفارع خيم عليها، وبص لها بنظرة حادة وناشفة خلت قلبها يقف. سليم بصوت رخيم وقاطع:
— مش محتاج أصدقك ولا أكذبك يا نور.. الصور دي تمنها غالي أوي عند اللي بعتها، وعايز يشوف رد فعلي.
نور بصت له باستغراب:
— يعني إنت.. إنت مصدقني؟
سليم ماردش عليها رد مباشر، بس بص في عينيها بجمود وقال:
— وقت الحفلة.. كل حاجة هتبان. اطلعي البسي أغلى فستان عندك، وعايزك تمشي جنبي ورأسك في السما. الوحش لما بيرجع له بصره، أول حاجة بيعملها إنه بيسحق الحشرات اللي فاكرة إنها تقدر تضحك عليه.
دخل سليم القاعة وهو ماسك إيد نور بتملك عنيف، ونور كانت خايفة من بروده. مازن قرب منهم بابتسامة صفراء وهو ماسك كاس في إيده:
— منور يا سليم بيه.. أهلا يا بشمهندسة نور، الصور اللي بعتها لك عجبتك؟
سليم وقف قدام مازن ببرود مرعب، وبص له من فوق لتحت، وفجأة ضحك ضحكة قصيرة هزت كيان مازن.
سليم بصوت مسموع للقاعة كلها:
— الصور الفوتوشوب بتاعتك دي يا مازن، توديك ورا الشمس لو رفعت عليك قضية تشهير.. بس أنا مابحبش المحاكم، أنا بحب الأصول.
سليم طلع موبايله وشغل فيديو على الشاشات الكبيرة اللي في القاعة اللي كانت مجهزة لعرض مشاريع، والكل اتصدم!
الفيديو كان تسجيلات المراقبة الخاصة بسليم نفسه، اللي كان حاططها في كل مكان لمراقبة نور وهو لسه عامل نفسه أعمى. الفيديو كان بيظهر نور في نفس وقت ومكان الصور وهي لوحدها تماماً، وبيظهر المصور وهو بيصورها من بعيد، وبيظهر كمان شاهي وهي بتدفع فلوس للمصور في ركن المطعم!
سليم بصلهم وهما وشهم زي الأموات:
— أنا كنت أعمى يا مازن، بس رجالي مكنوش عميان. كنت عارف إنك مراقبها من أول يوم خرجت فيه، وكنت سايبك تلعب عشان أشوف أخرك فين.
سليم قرب من مازن، وهمس في ودنه بصوت سمعه الكل من قوة الصمت:
— نور دي خط أحمر.. اللي يفكر يدوس على طرفها، أنا بمحي وجوده من السوق. من بكرة، كل أسهم شركتك هتكون في إيدي، وشاهي هانم.. اعتبري إن الفضيحة اللي كنتي ناوياها لنور، بقت هي عنوانك الجديد في كل الجرايد.
سليم لف لنور، اللي كانت واقفة مذهولة ومبهورة بقوته، وحط إيده ورا ظهرها وسحبها لصدره قدام الكل، وبص في عينيها بلمعة تملك ونصر:
— قلت لك كل حاجة هتبان.. مفيش حد يقدر يلمس حاجة تخص سليم البدراوي ويطلع سليم.
بعد ما سليم مسح بكرامة مازن وشاهي الأرض قدام نخبة المجتمع، سحب نور من إيدها وخرج من القاعة بكل هيبة، مكنش مهتم بنظرات الانبهار ولا الهمسات اللي وراهم. ركبوا العربية وساد صمت تقيل لكنه مليان بمشاعر مختلفة.. نور كانت لسه تحت تأثير الصدمة والذهول من قوته.
سليم مطلعش على الفيلا، بدل كدة، سلك طريق مقطوع لحد ما وصل لـ مرسى يخوت خاص بيه. نزل وفتح لها الباب، ومسك إيدها وطلعوا على يخت فخم، الأنوار فيه كانت خافتة وهادية جداً، عكس ضجيج الحفلة اللي كانوا فيها.
سليم وقف قدام البحر، وخلع الجاكيت ورماه على الكرسي، وفك أول زرارين من قميصه وهو بيتنفس بعمق. نور كانت واقفة وراه، وبصت له وقالت بصوت مهزوز:
— إنت كنت عارف.. كنت عارف كل حاجة يا سليم؟ كنت عارف إن الصور متفبركة، وعارف إن شاهي هي اللي ورا الموضوع.. وسبتني أموت من الرعب ومن نظراتك الناشفة طول اليوم؟
سليم لف ليها ببطء، عينه كانت بتلمع تحت ضوء القمر بحدة تخطف الأنفاس. قرب منها لحد ما بقى بيفصل بينهم سنتيمترات، وقال بصوت رخيم وهادي:
— كان لازم يحصل كدة يا نور.. لو كنت قلت لك إني عارف، مكنتيش هتمشي في الحفلة بالكبرياء ده. أنا كنت عايز مازن يشوفك وإنتي واثقة في نفسك، عشان لما أضر,به الضر,بة القاضية، يحس إنه كان بيحفر قبره بإيده.
نور ضر,بت صدره بإيدها بوجع:
— بس أنا كنت خايفة! كنت خايفة تكون صدقتهم وتضيع مني تاني.. إنت معندكش فكرة الوجع اللي حسيته لما بصيت لي بجمود الصبح كان عامل إزاي.
سليم مسك إيدها اللي بتضر.به، وثبتها على صدره بقوة، وبص في عينيها بنظرة تملك صافية:
— تضيعي مني؟ أنتي لسه مش فاهمة يا نور؟ سليم البدراوي لما بيفتح عينه ويختار واحدة، مبيسمحش لشويه ورق وصور إنهم يهزوا شعرة من ثقته فيها. أنا كنت براقبك وأنا أعمى يا نور.. كنت سامع دقات قلبك وعارف أنفاسك. تفتكري لما أفتح عيني، هصدق صور وأكذب قلبي؟
نور سكتت وبدأت تدرك إن بروده الصبح مكنش شك، كان تخطيط لحمايتها بأبشع وأقوى طريقة ممكنة.
سليم كمل وهو بيمرر إيده على وشها بجرأة:
— أنا جبتك هنا عشان أقولك إن اللعبة خلصت. مفيش أعداء تاني، ومفيش شك. الأرض اللي اديتها لك، والمكتب اللي هتبنيه.. ده هيكون بداية حياتنا الحقيقية. حياتي وأنا شايفك بجد، مش بس كـ ممرضة أو اتفاقية.. حياتي وأنتي النور اللي رجعت أشوف بيه الدنيا.
نور همست وهي بتبص في عينيه:
— يعني إنت كنت واثق فيا للدرجة دي؟
سليم ابتسم ابتسامة وحشية بس فيها عشق يجنن، وقرب من ودنها وهمس:
— أنا كنت واثق إنك ملكي.. وبما إنك ملكي، فمستحيل تكوني لحد غيري، لا في الحقيقة ولا حتى في خيال مريض زي مازن. المكافأة الحقيقية مش الأرض يا نور.. المكافأة هي إنك من النهاردة، بقيتي الحاجة الوحيدة اللي سليم البدراوي مستعد يحارب عشانها مش بس يمتلكها.
سحبها لحضنه بقوة، وفي وسط هدوء البحر وصوت الموج، نور حست لأول مرة إن الوحش مابقاش محتاج ترويض.. هو بقى حارسها الشخصي اللي مستعد يحرق العالم عشان خاطر نظرة رضا منها.
بعد مرور سنة..
الأنوار كانت مالية المكان، واليُفطة الرخامية الكبيرة على مدخل المبنى الفخم كانت بتلمع باسم: مكتب نور البدراوي للهندسة والتصميم.
نور كانت واقفة في وسط القاعة الكبرى، لابسة فستان رسمي أبيض ملكي، وشعرها مرفوع، وبتبتسم للضيوف والصحفيين بكل ثقة. هي النهاردة مش حرم سليم البدراوي وبس، هي المهندسة اللي تصميماتها بقت حديث السوق كله.
فجأة، القاعة سكتت والعيون كلها اتجهت للباب.. سليم دخل.
كان لابس بدلة سوداء كاملة، وهيبته كانت طاغية على المكان كالعادة، بس المرة دي مكنش داخل كـ مسيطر، كان داخل كـ داعم. مشي بخطوات واثقة لحد ما وقف قدامها، وبص لها بنظرة فخر صافية من غير أي غرور.
سليم بصوت رخيم سمعه القريبين:
— مبروك يا بشمهندسة.. التصميم طلع أعظم مما تخيلت، والظاهر إن تلميذتي بقت أشطر من أستاذها.
نور بابتسامة ساحرة:
— أنا لسه بتعلم منك يا سليم . ولا نسيت إنك أول عميل عندي؟
سليم قرب منها، ووطى صوته لدرجة إنها هي بس اللي تسمعه، وهمس وهو بيمسك إيدها قدام الكل بجرأة وتملك ناعم:
— أنا مش بس عميل.. أنا المعجب الأول. وعشان كدة، قررت إن أول مشروع للمكتب ده، مش هيكون برج إداري ولا فيلا لعملاء غُرب.. هيكون القصر اللي هنبنيه سوا بعيد عن وجع الماضي.. القصر اللي هيشهد إن الوحش ملقاش راحته غير في حضن النور.
نور عينيها لمعت بالدموع، وسليم رفع إيدها وباسها بوقار شديد قدام فلاشات الكاميرات اللي بدأت تصور اللحظة دي.. لحظة انكسار قسوة الوحش قدام ذكاء ونقاء نور.
سليم بص للكاميرات وللناس بحدة وهو لسه محاوط وسط نور بدراعه:
— يا ريت الكل يكتب النهاردة.. إن النجاح ده باسم نور، والفضل فيه لـ نور.. وأنا هنا مجرد حارس للحلم ده.
نور مالت على كتفه وهمست:
— أنا بحبك يا سليم.. بحبك بصرك، وبحبك أكتر وأنا شايفة الحب ده في عينيك.
سليم ضمها ليه أكتر وبص للسما وابتسم ابتسامة حقيقية:
— وأنا بشوف الدنيا بيكي يا نور.. ومن النهاردة، مفيش ضلمة تفرقنا تاني.
تمت الرواية



