ممكن تمثلي انك ام بنتي الليلة دي

ملامح كريم وقعت فجأة.
ندى استدركت بسرعة
قصدي… لأ، مينفعش آخد فلوس على حاجة زي دي.
هي نفسها استغربت من كلامها.
هروح أكلم المدير الأول.
بعد عشر دقايق…
ندى كانت قلعت المريلة، وسابت شعرها نازل، ودخلت المطعم من الباب الرئيسي كأنها زبونة جاية متأخرة.
كريم وقف أول ما شافها.
وليلى بصت ناحيتها.
الأمل والخوف عدوا على وش البنت الصغيرة بسرعة لدرجة إن قلب ندى وجعها.
ندى قربت وقعدت جنبها وقالت برقة
آسفة إني اتأخرت يا حبيبتي… الزحمة كانت صعبة أوي.
ليلى فضلت باصة لها كام ثانية وهي بترتعش.
وبعدين همست
أهلاً يا ماما.
الكلمة نزلت على الترابيزة كأنها قلب من إزاز.
ندى مدت إيدها وعدلت خصلة شعر من على وش ليلى وقالت
كل سنة وإنتِ طيبة يا ليلى.
عيون ليلى املت دموع.
وسألت بصوت صغير
إنتِ هتمشي بعد التورتة… زي ما تيته قالت إن كل المامهات بيعملوا؟
كريم سكت تمامًا.
وفي اللحظة دي ندى فهمت، بإحساس بارد سرى في جسمها كله، إن الموضوع أكبر من مجرد حزن على أم ماتت.
كان فيه حد بيعلّم البنت الصغيرة دي تخاف من الحب…
السؤال الصغير اللي طلع من فم ليلى خيم على المكان كله، وحتى صوت الأكل والحديث في باقي الترابيزات بدا يبتعد كأنه سحب نفسه بعيد عن اللحظة دي. ندى حست بحرارة الدموع بتجمع في عينيها، وشدت نفسها بسرعة عشان ما تظهر ضعف قدام البنت اللي كانت بتتساءل
بكل براءة عن معنى البقاء والابتعاد.
مدت إيدها ومسكت إيد ليلى الصغيرة اللي كانت باردة كأنها
لمحة نيوز

كانت قاعدة في مكان بارد من زمان، وضغطت عليها برفق وقالت بصوت مليان حنية ومصداقية
لا يا روحي، مش هامشي إلا لما تخلصي كل الشمع، وتقطعي التورتة، وتقوليلي كل اللي نفسك فيه. ومش هسيبك أبدًا طالما إنتِ عايزاني معاكِ. اتفقنا؟
ليلى بصت لها بعيونها الزرقا الواسعة، وكأنها بتقارن بين الكلام ده والكلام اللي كانت بتسمعه من فترة، وبعدين هزت راسها ببطء وضغطت هي التانية على إيد ندى.
كريم كان واقف جنب الترابيزة، وكل كلمة بتقولها ندى كانت بتخفف حمل ثقيل كان شايله لوحده من سنتين. لما قعد هو التانية، لاحظ إن إيده كانت بترتجف، وإن الابتسامة اللي كانت على وشه من فترة اختفت وحل محلها شعور بالراحة والخوف مع بعض. طلب من الجرسون يجيب التورتة اللي كان حاجزها من أول الأسبوع، وبعد دقايق جابوها ومعاها خمس شمعات مولعة.
النور خفت على الترابيزة، والشمعات كانت بتضوي على وش ليلى اللي بدا يشرق بالأمل. كريم مسك إيدها اليمين، وندى مسكت إيدها الشمال، وكلهم ثلاثة همسوا مع بعض كل سنة وإنتِ طيبة. ليلى نفخت الشمعات بكل قوتها، ولما انطفأت كلها، ضحكت لأول مرة ضحكة حقيقية ومليانة صوت، ضحكة رنت في قلب ندى وخلتها تحس إنها عرفت معنى السعادة من جديد.
ولما كانوا بيقطعوا التورتة، لاحظت ندى إن
ليلى كانت بتشاور من وقت للتاني على الباب، وكأنها بتخاف حد يدخل في اللحظة دي. سألتها بصوت خافت
في حد بتنتظريه يا حبيبتي؟
ليلى سكتت شوية، وبعدين همست
تيته نعيمة تيتة أم بابا. هي كانت تقولي إن ماما سابتني وسافرت، وإن كل اللي بيحبوني هيسيبوني زيها.
ندى بصت لكريم، ولقيت وشه اتغير، وبدا يظهر عليه الغضب والوجع مع بعض. قال بصوت منخفض
أمي مش عارفة تقول الكلام ده غلط، وهي بتعاني من الحزن زيي، بس مش المفروض تقول كلام يوجعك كده يا ليلى. ماما كانت بتحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا، ومش سابتك بإرادتها. هي راحت لمكان أحسن، ولسه بتحبك وبتشوفك من هناك.
ندى فهمت ساعتها من أين جاء الخوف اللي كان مالي قلب البنت الصغيرة. مش مجرد فقدان الأم، بل رسائل سلبية متكررة من أقرب الناس لها، كانت بتزرع فيها الشك في الحب والخوف من كل قرب.
بعد ساعة ونص، كانت الساعتين اللي طلبها كريم خلصت تقريبًا. المطر وقف، والنجوم بدت تظهر في السماء. ليلى نامت شوية على كتف ندى، وملامحها هدت واختفت علامات القلق من وشها. كريم مد يده وخرج شيك بكل المبلغ اللي اتفقوا عليه، وزاد عليه مبلغ تاني، وقال
مش عارف أشكرك كفاية يا ندى. أنتِ عملتي معانا معجزة النهاردة. خدي المبلغ ده، واقبليه مني كهدية، مش كأجر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *