صدفه غيرت حياتي

قلبي دقة قوية، وكنت شايف نفسي فيها كل واحد فينا كان وحيد في وجعه، كل واحد فينا كان شايل حمل ما حد غيره حاسس بيه. قلتلها العاجز مش اللي فقد عضو من جسمه.. العاجز اللي فقد قلبه وانسى يعطف على غيره. أنتِ مش عاجزة يا ليان.. أنتِ أقوى حد شفتة في حياتي.
في تلك اللحظة، صوت الإعلان صدى في المحطة القطار المتجه إلى طنطا سينطلق بعد دقيقتين. ليان قامت بتعثر بسيط، مسكت بكرسي لثوانٍ لترتاح، وقالت ده قطاري.. كنت خايفة أتأخر واضطر أمشي مسافة طويلة لوحدي. شكرًا مرة تانية يا باشا.. ما كنتش عارفة إني ممكن أحس بالراحة دي أبدًا.
مدّت إيدها تسلم عليّ، ولما مسكت إيدها الصغيرة الدافئة، حاجة غريبة حصلت.. كأن ربنا بيبعتلي رسالة تقولي إن الحياة لسه عندها بقية، وإن الوجع مش لازم يبقى لآخر العمر. قلتلها بسرعة قبل ما تمشي كريم.. اسمي كريم. وإن حبيتي تكلمني في أي وقت، أو تحتاجي أي حاجة.. هذا رقمي. كتبت الرقم على ورقة صغيرة من محفظتي، ومديتها لها.
أخذتها وهي بتبصلي بدهشة، ثم وضعتها في جيب هوديها بحذر شديد، كأنها بتخاف تضيعها شكرًا يا كريم.. سأحتفظ بيها طول عمري. وراحت تمشي بخطاها الثابتة، مستندة على عكازها، وكل خطوة بتقول لي إن الأمل لسه موجود لو نعرف

نفتح قلبنا ليه.

الفصل الثاني رسالة في ليلة صعبة
مرّ أسبوع كامل، وما جاني منها أي رسالة ولا اتصال. وكل يوم كنت أقول لنفسي إنها طبيعية، إنها خايفة، أو إنها مش عايزة تزعجني.. لكن في نفس الوقت كان قلبي بيخفق كل ما أسمع صوت رسالة في التليفون، وكل مرة بيخيب أملي. لحد ما جات ليلة الجمعة، نفس اليوم اللي قابلتها فيه، والوقت كان قريب من نفس الساعة، وجاتني رسالة قصيرة أنا آسفة إني أتأخرت.. ما كنتش عارفة أتكلم مع حد. خالتي ضربتني النهاردة عشان نسيت أحضر لها الدواء.. وأنا قاعدة في محطة القطار القديمة لوحدي ومش عارفة أروح فين.
ما فكرت ولا لحظة.. لبست ملابسي وخرجت جري، وركبت أول تاكسي عالعنوان اللي كتبته ليها في الرسالة. وصلت المحطة القديمة المهجورة من نص ساعة، ولقيتها قاعدة في زاوية مظلمة، راسها مخفي بين ركبتيها، وكتافها بتترتعش من البكاء. لما شافتني حاولت توقف البكاء بسرعة، وتمسح دموعها بكم هوديها القديم، لكن الدموع كانت بتزيد.
قعدت جنبها من غير ما أتكلم، ومديت يدي ووضعتها على كتفها برفق أنا جيت.. مفيش حاجة هتأذيكِ من ساعتها.
رفعت راسها وبصتلي وعيونها حمراء ومليانة دموع أنا مش عايزة أكون عبء عليك.. كل اللي بحط حياتي في حياته بيندم.
قلتلها بثقة كبيرة كأني بحارب كل الكلام السلبي اللي سمعته طول عمرها أنتِ مش عبء.. أنتِ إنسانة تستاهل الحب والاهتمام زي أي حد تاني. واللي بيندم على مساعدة حد محتاج، ده اللي خسران مش أنتِ.
أخذتها معايا لشقتي الصغيرة، وريحتها في غرفة النوم، وأنا نمت في الصالة. عملتلها شاي دافئ، وجبتلها ملابس مراتي القديمة اللي كنت محتفظ بيها كذكرى، وقلتلها ارتاحي النهاردة.. وبكرا نتكلم في كل حاجة.
من يومها، حياتي اتغيرت بالكامل. صرت مسئول عنها، صرت أهلها اللي ما لقتهاش في أهلها الحقيقيين. خالتي جات تطالب بيها بعد يومين، وتكلمت بصوت عالٍ وقالتلي إنني سرقت بنتها، وإنني مش من حقي أتدخل في شئونهم. لكن واجهتها بكل قوة قلت لها أنتِ خسرتيها من يوم ما نسيتي إنها بنت اختك قبل ما تكون عبء عليكي. لو عايزة تاخديها، تعالي وخديها بالحب والاهتمام اللي بتستاهله.. أما لو جاية تاخديها عشان تكملي تعذيبها، فأنا مستعد أروح معاكي لحد المحكمة وأخليها تعيش معايا.
الناس في الحي بدأت تتكلم، وتقول كلام كتير غلط، وتقول إنني بنت أرمل عايز أتقرب منها لسبب مش حلو. لكن ما اهتميتش لكلام حد.. كنت عارف إن ربنا بعتها لي، وإنها بعتت لي لعلاج جروح كل واحد فينا من التاني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *