يوسف لمشيرة محمد

لو مش معاك تدفع سيب الازايز دي وروّح يا حبيبي.
الممرضة قالت الكلمتين دول بصوت واطي وهي بتنهد بتعب، كأنها بتحمي نفسها من قصة تانية حزينة في يوم ممطر ومجهد ملوش آخر. بس الولد الصغير اللي كان واقف على الباب مكنش جاي يستجدي عطف حد.. كان بيدور على أمان.
كنت لسه بقفل باب عيادتي البسيطة في الحي الشعبي لما لمحته واقف بره تحت المطر الشديد. صوت المطر كان مالي المكان، واللمبة الفلورسنت اللي فوق مكتب الاستقبال بتزن بصوت هادي. قميصه الواسع عليه جداً كان لازق في مشيره محمد جسمه الضعيف من كتر المية، وجزمته القديمة المهرية سايبة علامات مبلولة على البلاط مع كل خطوة بيخطيها بخوف وحذر.
الشنطة البلاستيك السودا اللي في إيده كانت بتخروش من كتر ما هو كابس عليها وصوابعه متبتة فيها ومش راضي يسيبها.
”يا دكتورة…” همس والوجع مخليه بيترعش وسنانه بتخبط في بعضها: “ممكن تعالجيني؟ أنا معايا فلوس والله.”
وبدأ يفتح الشنطة بالراحة وبكل حرص. جوا الشنطة كان فيه شوية فكة ملزقة، كنزتين بيبسي مطبقين، وتلات إزايز بلاستيك فاضية تيكت بتاعهم دايب ومتقشر.
وقال بصوت مكسور: “بتاع الخردة قال لي دول يعملوا بتاع خمسين جنيه.. وممكن أجمع لك تاني بكرة.”
وقال إن اسمه يوسف. أو ده الاسم اللي الكل بينادوه بيه.
الصدمة اللي وقفت دقات قلبي
رجله اليمين كانت ورمة جداً ومستوية بزاوية غريبة ما ينفعش تكون رجل طفل أبدًا. إيدي سبقت تفكيري، وبسرعة بدأت أرفع بنطلونه بالراحة.. بس فجأة إيدي وقفت، ونفسي اتكتم لما شفت:
علامات زرقاء قديمة مأثرة في جلده ومتحولة للون أصفر وبنفسجي.
آثار حروق صغيرة مدورة.. كأنها من طفي سجاير.
علامات وخطوط طويلة على جسمه بتقول إن الطفل ده شاف رعب مفيش طفل في الدنيا يستحمل يشوفه.
بس كل الوجع ده كفة.. وملامح وشه كفة تانية خالص! نفس الحواجب المفرودة المستقيمة، نفس الدقن الصغيرة العنيدة، ونفس العينين العسلي الواسعة اللي بقالي 5 سنين بحاول بكل قوتي وبكل كسرة قلب إني أمساهم من ذاكرتي.
سألته بصوت مخنوق ودموعي محبوسة، مع إن قلبي كان عارف الإجابة خلاص: “هو باباك اسمه ايه يا حبيبي؟”
الولد وطى راسه في الأرض وبص في البلاط: “شريف حلمي.”
كابوس الماضي بيعود
من خمس سنين، شريف حلمي كان جوزي. عيلته كانت عيلة غنية، أصحاب نفوذ وسلطة مشيره محمد، والبلد كلها بتعملهم ألف حساب وبيجروا يدافعوا عنهم. عيلة تملك مستشفيات خاصة، بيقعدوا في مجالس إدارة، وصورهم بتنزل في الجرايد والكل بيشاور على كرمهم وأصلهم.
أما أنا.. فكنت منى، الدكتورة الغلبانة اللي فاتحة عيادة صغيرة في شقة إيجار، بلبس سكراب مستعمل، وعندي إيمان حقيقي إن علاج الغلابة والاهتمام بيهم أهم بكتير من المظاهر والمنظرة.
بعد ما ولدت ابني، عيلة شريف قرروا إني عقبة في طريقهم ولازم أختفي. حماتي حطت قدامي ورق القضية على الترابيزة، وقالت لي ببرود إن ابني يستاهل مستقبل أفضل من اللي هقدمهوله، وحطت شيك بمبلغ كبير جنب الورق.. كأن الفلوس ممكن تمسح صرخة أم وهي بتتحرم من ضناها. وقعت على الورق.. أو يمكن انهرت ومكنش قدامي حل تاني.
ودلوقتي.. ابني نفسه واقف قدامي، معاه خمسين جنيه وشوية ازايز فاضية، ورجل مكسـ,ـورة فاكر إنه لازم يدفع تمن علاجها!
سألته بحنية ودموعي بتنزل: “مين اللي عمل فيك كده يا يوسف؟”
يوسف انكمش في نفسه فجأة وخاف ووشوش: “أنا اللي كنت وحش.. دلقت مية على الأرض وما لحقتش أمسحها بسرعة.. ونمت قبل ما أخلص غسيل المواعين.”
الناس بتخترع أسامي تانية للقسوة لما بيخافوا يواجهوا الحقيقة. بيسموا الرعب “تربية”، وبيسموا الخوف والسكوت “احترام”.. بس الطفل دايماً بيبقى عارف الحقيقة والفرق بينهم.
لما قربت إيدي براحة عشان أكشف على كاحل رجله المـ,ـصاب، تفتوا الاتنين طلعوا فوق راسه بسرعة وحماها وهو بيصرخ وبيرتعش:
”أبوس إيدك ما تضـ,ـربينيش.. والله هبقى شاطر وهسمع الكلام!”
لحظة الحسم
لفيت وشي الناحية التانية بسرعة، لأن الغـ,ـضب والغـ,ـل اللي ملو صدري في اللحظة دي كان ممكن يخوفه أكتر من الوجع اللي هو حاسس بيه. غسلت إيدي، وفتحت علبة شاش جديدة، وحاولت أهدي صوتي على قد ما أقدر: “يا يوسف.. مفيش حد هنا هيلمسك أو يأذيك أبداً.”
الساعة كانت 6:18 مساءً بالظبط. كتبت كل علامة زرقا وجرح في تقرير الحالة بالتفصيل الممل، وصورت الورم والجـ,ـروح، وحطيت أشعة إكس جنب منه. كنت عارفة إن العائلات اللي ليها سلطة تقدر تداري على أي مصـ,ـيبة وتعتبرها “حـ,ـادثة عادية” طول ما مفيش دليل رسمي.
لما قدمتله شوربة دافية ونص بيضة مسلوقة من علبة غدايا، أكل بحرص شديد وبطء وجع قلبي.. مش كأنه طفل جعان، لأ، كأنه طفل اتعلم إن الأكل ممكن يتسحب منه في أي لحظة وبدون إنذار. وبعد ما خلص، سألني بصوت واطي: “أغسل الطبق؟”
لما حاول يقف، الوجع عسره وخلاه يقع. لحقته قبل ما يقع على الأرض، فدفـ,ـن وشه في قميصي وفضل يعيط: “أنا آسف.. أنا آسف.. أنا آسف..”
كنت حضناه بكل قوتي، بس لسه مش قادرة أقول له الكلمتين اللي يستحق يسمعهم.. إني أمه، وإني كنت بدور عليه كل يوم وبكل الطرق اللي أقدر عليها.
سألته بهدوء: “يوسف.. لو رجعتك هناك تاني النهاردة.. هيأذوك تاني؟”
غمض عينه بالراحة وقال: “أنا هحاول ما أعيطش عشان ما يضـ,ـربونيش.”
في اللحظة دي بالذات.. عرفت إني مستحيل أرجعه للبيت ده تاني.
المواجهة
الساعة 6:47 مساءً. خلصت تقرير الحالة الطبية بالكامل، وصورت الإزايز الفاضية، والفلوس مشيره محمد الفكة، والجزمه القديمة، وكل جرح في جسمه. وبعدين بصيت على نمرة تليفون كنت حالفة ما أتصلش بيها تاني أبداً.
شريف رد من تاني رنة: “منى؟”
ما ضيعتش وقت في السلامات: “يوسف عندي.”
سكت خالص.. وبعدين صوته اتغير وبقى واطي ومليان قلق: “هو… معاكي بجد؟”
”آه معايا.. وعايزاك تجاوبني على سؤال واحد بس. كنت تعرف إن ابنك رجله بتخف وهي معوجة عشان فيه حد بيفضل يضـ,ـربه ويعذبه علطول؟”
بعد عشرين دقيقة بالظبط، كشافات عربية قوية شقت ضلمة المطر بره العيادة. عربية جيب سودا فخمة وقفت قدام العيادة، وشريف نزل منها من غير شمسية، بالطو بتاعه الغالي غرق في ثواني. وشه مكنش فيه أي حاجة من الراجل الواثق من نفسه اللي كنت عارفاها زمان.
لثانية واحدة، تمنيت يفضل بره في البرد والمطر.. كنت عايزاه يتجمد، ويحس ولو بجزء بسيط من اللي ابنه عاشه طوال الخمس سنين اللي فاتوا. بس يوسف كان مستني جوه.. ففتحت الباب.
قلت له ببرود: “تعال معايا.”
من غير ما ينطق بكلمة، مشي ورايا لأوضة الكشف.
يوسف كان نايم على السرير الضيق، حاطط إيد تحت خده، والإيد التانية حامي بيها راسه كالعادة وهو نايم. شريف فضل يبص على العلامات الزرقا، وآثار الحـ,ـروق، ورجله الورمة، والطفل الصغير اللي بيعتذر قبل ما يطلب أي حاجة.
مد إيده بالراحة ووشوش جبهة يوسف.. يوسف اتفزع وهو نايم، وإيده الصغيرة اترفعت فوق راسه بسرعة يحميها:
”ما تضـ,ـربنيش.. ما تحبسنيش.. مش هعمل كده تاني والله!”
شريف رجع لورا كأن الكلمات دي كانت رصاصة دخلت في صدره. الراجل اللي ساب عيلته تاخد ابني مني زمان، واقف دلوقتي تحت لمض العيادة الباردة، مبلول من المطر، بيبص بذهول وكسرة على ابنه اللي وعد زمان إنه هيحميه دايماً. ولأول مرة من خمس سنين، شوفت الخوف الحقيقي باين في عين شريف..
في اللحظة دي، يوسف فتح عينيه بالراحة، وبص في وش شريف مباشرة، وهمس بكلمة واحدة خلت ركب شريف تخبط في بعضها…
:#روايات_مشيره_محمد




