حور ومهران

كانت الشمس قايدة نار في الصعيد، بس النار دي مكانتش ربع الغضب اللي في عيون مهران الهواري. مهران ده يبقى كبير الصعيد الشاب، الراجل اللي كلمته سيف على رقبة الكل في قنا، ملامحه رجولية حادة، وجوا قلبه سر غامض مخليه يكره صنف الستات وعامل بينه وبينهم سد عالي، شايفهم بتوع مظاهر ومبيجيش من وراهم غير وجع الدماغ. في نفس الوقت، كانت حور، دكتورة الامتياز اللي لسه جاية من زحمة القاهرة والبندر، واقفة في وسط السوق ومتبنجة من المنظر، عينيها الخضرا كانت بتلف في المكان وهي شايلة شنطتها التقيلة. ومن لخمتا، اتكعبلت في الشنطة وراحت خبطة بكل قوتها في صدر مهران اللي كان ناشف زي الصخر.
كل ورقها ودواتها الطبية اتطوحوا على الأرض. حور رجعت خطوتين لورا وهي بتعدل لبسها ومحروجة وقالت: “أنا آسفة جداً.. مخدتش بالي!”. مهران لف ليها وعيونه بتطلع شرار، وبصلها بقرف كأنها حتة عيلة جاية تعمل تظاهرة في سوقه، وزعق بصوت جهوري هز السوق كله: “واقفة عمية إياك؟! عتتطوحي عاد كيف الفراشة الوعرة وسط السوق؟ الحريم مكانها البيوت، مش تقف تتسوق وتخبط في خلق الله!”. حور اتصدمت من طريقته الهمجية، وفجأة الموقف قلب معاها بعناد، وراحت رافعة صباعها في وشه وقالت بنرفزة: “جرى إيه يا كابتن؟ ما تحترم نفسك! أنا قولت آسفة، وبعدين الأرض مش ملكك عشان تزعق بالطريقة دي.. إيه قلة الذوق دي!”. مهران عينيه وسعت من الذهول، مفيش راجل في الصعيد كله يقدر يعلي صوته عليه، تقوم تيجي بت من البندر تعمله كده؟ قرب منها خطوة وبصوت فحيح يخوف قالها: “لسانك عاد.. عشان وعزة جلال الله لو طول واصل، ليكون ليا تصرف تاني معاكي يا بنت البندر! غوري من قبالي!”. حور مشيت وهي بتغلي وتدعي ربنا متشوفش الوش ده تاني.
على بالليل، في دوار الحاج إسماعيل الهواري، أبو مهران وكبير العيلة، كانت الدنيا مقلوبة ترحيب. الحاج إسماعيل كان راجل طيب وبيحب الخير، وقرر يتبرع بأرض كبيرة عشان يبنوا مستوصف مجاني للغلابة، وعزم الدكتورة اللي الوزارة بعتتها تقعد في بيته معززة مكرمة لحد ما المكان يجهز. مهران دخل الدوار بهيبته والجلابية الصعيدي، لقى أبوه قاعد بيضحك وجنبه بنت مدية ظهرها للباب. أبوه شافه وقاله بترحيب: “تعال يا مهران.. سلم على دكتورة حور اللي عتنور بلدنا، وتفتح المستوصف المجاني”. حور لفت وشها، وهنا كانت الصدمة.. الأعين اتقابلت ومهران اتسمر في مكانه والغل جواه ولع، وحور شهقت وهمست لنفسها: “مش ممكن.. هو المتوحش بتاع الصبح!”. مهران لم نفسه بسرعة وقال ببرود ينقط سم: “أهلاً.. يا دكتورة”. الحاج إسماعيل مخدش باله من نظرات الضرب بالنار دي وكمل كلامه: “يا مهران، الدكتورة حور أمانة في رقبتنا، هتقعد اهنه في الدوار مع الحريم، وأنت المسؤول عن حمايتها وتلبية كل طلباتها.. سامع يا ولدي؟”. مهران حس إن جبل نزل فوق دماغه، هو اللي بيكره الستات ومبيطقش يشوفهم، هيدبس في “بنت البندر” العنيدة دي ويحميها كمان! بص لها وقال بصوت واطي ومخيف: “أوامرك سيف يا بوي.. منورة الدوار يا دكتورة.. وإن شاء الله قعدتك معانا متطولش”. حور بصتله بتحدي وبعناد يكسر الصخر ردت بابتسامة مستفزة: “بإذن الله يا سيادة الكبير.. ومتقلقش، أنا أصلاً مبحبش أطول في مكان مبستريحش فيه”. ومن هنا بدأت خناقاتهم اللي مابتخلصش، هو عاوز يطفشها، وهي متبتة عشان تثبت نفسها وتساعد الناس.مرت الأيام في الدوار والجو مشحون كأنه أوضة بارود مستنية شرارة. مهران مكنش بيفوت فرصة غير لما يحاول يضيقها عليها، يمنعها تخرج بحجة “الأصول والأمان”، ويخلي الغفر يمشوا وراها في كل خطوة كأنها متهمة، وهي مكنتش بتسكت، كل ما يقفل في وشها باب تفتح طاقة بعنادها وذكائها، وكانت دايماً بترد عليه ببرود وثقة بتولع فيه النار أكتر.



