حور ومهران

في يوم، البلد قُلبت؛ ولد صغير من عيلة كبيرة في البلد تعب فجأة وجاتله حالة تسمم حادة، وأهله كانوا بيصرخوا ومش عارفين يتصرفوا والدنيا ليل ومفيش دكاترة صاحية. مهران عرف وجرى على هناك، ولقى الدكتورة حور سبقت الكل، مشمرة كمامها ونازلة على ركبها في الأرض وبتعمل للواد إسعافات أولية بكل هدوء وثبات كأنها في مستشفى قصر العيني. مهران وقف بعيد يراقبها، ولأول مرة يشوف فيها الوش التاني؛ مكنتش “بنت البندر” الدلوعة اللي فاكرها، دي كانت وحش طبي حقيقي، عينيها مليانة خوف حقيقي على الواد وإيديها مبتترعش.
لما الواد فاق وفتح عينيه وبدأ يتنفس طبيعي، الناس كلها قعدت تدعي لها، ومهران واقف مكانه مش عارف يودي وشه فين من كتر الإعجاب اللي حاول يخبيه ورا ملامحه الخشبية. حور وقفت ولمت حاجتها، وبصتله وهي بتنهج وقالت بنبرة فيها عتاب وتحدي: “أظن كده عرفت بنت البندر بتعمل إيه هنا؟ أنا مش جاية أتفسح يا سيادة الكبير، أنا جاية أنقذ أرواح”. مهران نزل عينه الأرض لأول مرة في حياته، ومقادرش يرد بكلمة تضايقها، واكتفى إنه مشى وراها في صمت وهو بيحرسها لحد ما رجعوا الدوار.
بعد الموقف ده، حاجز الكره اللي عند مهران بدأ يتشرخ. بقى يراقبها من بعيد لبعيد وهي بتعالج ستات البلد الغلابة في المستوصف اللي بدأ يجهز، ويشوف دعواتهم ليها من قلبهم. وفي ليلة، كانت حور قاعدة في جنينة الدوار بتراجع شوية أوراق، ومهران جيه قعد قبالها وفاجأها بكوباية شاي زردة، وقال بنبرة هادية لأول مرة: “شاي مخمور.. هيظبط دماغك من تعب الوعر بتاع النهاردة”. حور بصت للكوباية وبصتله بذهول، وبعدين ابتسمت هدت كل الحصون اللي بانيها جوا قلبه، وقالتله: “شكراً يا مهران بيه.. أخيراً اعترفت إني بتعب؟”. مهران بصلها وضحكة خفيفة ظهرت على وشه لأول مرة وقاد: “الظاهر إنك مش واصل كيف باقي الحريم يا حور.. أنتي خيبتي كل ظنوني”. ومن اللحظة دي، الخناقات مخلصتش، بس اتغيرت.. مبقتش عناد وكره، بقت أول خطوة في طريق الحب اللي مهران كان بيهرب منه طول عمره.نظراتهم طولت، وحور حست بقلبها بيدق بسرعة غريبة لأول مرة من ساعة ما دخلت الصعيد. سحبت كوباية الشاي وبدأت تشرب منها وهي بتحاول تداري كسوفها، ومهران عينه منزلتش من عليها، كأنه بيعيد اكتشاف ملامحها من جديد؛ البنت اللي كان شايفها متكبرة ومزعجة، بقت هي الهدوء اللي بيدور عليه في وسط دوشة مسؤوليته وكبر صغره.
الهدوء ده ممدش كتير، بعد كام يوم المستوصف فتح رسمياً، والبلد كلها كانت هناك بتبارك وتدعي للحاج إسماعيل وللدكتورة حور. مهران كان واقف بعيد، لابس عمامته وجلابيته الزرقا الغامقة، وعينه مبتفارقش حور اللي كانت بتتحرك وسط الستات والأطفال كأنها حتة سكر دوبت قساوة المكان. في وسط الزحمة دي، دخل راجل غريب، ملامحه شريرة وباين عليه مش من أهل القرية، وبدأ يتسحب لحد ما وصل قريب من حور وطلع مطوة من جيبه وهو بيوشوشها بتهديد: “هتيجي معايا بالذوق يا دكتورة، عيلتنا ليها تار عند الهواري، وأنتي غالية عندهم عاد!”.
حور اتجمدت في مكانها والدم هرب من عروقها، بس قبل ما تنطق أو الراجل يتحرك خطوة، كانت إيد زي المرزبة قفشت معصم الراجل ولوته لورا لحد ما عضم إيده طرقع والمطوة وقعت على الأرض. ده كان مهران، وعيونه كانت قايدة نار لدرجة تخوف بلد بحالها. زق الراجل في الأرض وداس على صدره برجله وزعق بصوت زلزل المستوصف: “يا مرار طافح! تتجرأ تقرب من حريم الهواري وأنا عايش؟! ورب العزة لادفنك مكانك يا ولد الـ…”.

