طلـ,ـقت مـ,ـر.اتي بعد فتره بسيطه من جوازنا واديتها كلها في عـ,ـفـ,ـشها

خفّت فجأة.
صافي لفت لي وهي لسه ماسكة إيدي، وشها فيه استفهام مستفز:
“مالك كده؟ إنت اتخنقت؟ ما هي شغالة وخلاص!”
لكن أنا ما سمعتش جملتها الأخيرة… كنت لسه شايف ليلى وهي ماشية بثبات، كأنها شايلة جبل مش فستان.
مشيت وراها من غير ما أحس.
المخزن كان في آخر المحل، باب نص مفتوح، وإضاءة ضعيفة.
وقفت عند الباب.
ليلى كانت جوه، بتفرد الفستان على الطاولة، وإيديها بترتجف بس بتحاول تخبي ده.
سمعتها بتهمس لنفسها:
“اتعودي… اتعودي يا ليلى… مفيش رجوع.”
الكلمة دي خبطت جوايا أكتر من أي حاجة.
رجعت لذكريات قديمة… يوم ما كانت بتضحك في بيتنا، يوم ما كانت بتسألني رأيي في أبسط حاجة، يوم ما كنت أنا اللي كسرتها بإيدي، وقلت عنها “مملة”.
صافي نادت من ورايا بصوت عالي:
“إنت بتعمل إيه عندك؟ تعالى!”
التفت ليلى فجأة لما سمعت صوتها، وشافتني واقف.
سكتت.
بس المرة دي، النظرة ما كانتش غريبة.
كانت فاهمة.
فاهمة كل حاجة.
وبهدوء مرعب، قالت:
“ممكن حضرتك تمشي… عشان أخلص الشغل؟”
الكلمة كانت بسيطة… بس قطعتني من جوا.
صافي دخلت ورايا للمخزن وهي بتقول بضحكة مستفزة:
“هو إنتي لسه هنا؟ أنا قلت خلصتي!”
ليلى ما ردتش.
لكن المرة دي، رفعت عينيها وبصّتلي أنا.
وبصوت أهدى من الأول، قالت:
“لو سمحت يا أستاذ… لو خلصتوا، أقفلوا الباب وراكم.”
ساعتها بس فهمت حاجة مهمة…
ليلى مش بس اتكسرت.
ليلى اتعلمت تعيش من غير ما تحتاج حد.
حتى أنا.صافي ضحكت بسخرية وهي بتلف حوالين نفسها في المخزن:
“هو في إيه؟ إحنا داخلين نشتري ولا جايين نزور حد؟”
لكن أنا ما كنتش سامعها. عيني كانت على ليلى بس.
ليلى كانت واقفة ثابتة، إيديها فوق الفستان، لكنها مش مركزة فيه… مركزة فيّ أنا.
نظرتها كانت هادية بشكل يخوّف… مش حزن، مش غضب… حاجة أبرد من الاتنين.
قالت فجأة:
“ممكن سؤال؟”
سكتنا.
صافي ردّت بسرعة:
“إنتي كمان هتسألي؟ اتفضلي بسرعة.”
ليلى ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا، أول مرة أشوفها من ساعة
ما دخلنا:
“هو أنا كنت وحشة في إيه؟”
السؤال نزل عليّا زي حجر.
صافي فتحت بقها ترد، بس ليلى كملت قبلها:
“كنت مملة؟ ولا قليلة؟ ولا كنت مش على مزاجك؟”
سكتت لحظة، وبصتلي مباشرة:
“ولا يمكن كنت زيادة عن اللزوم وأنا مش واخدة بالي؟”
صافي بصّتلي هي كمان، كأنها مستنية ردّي.
لكن أنا… ما كانش عندي رد.
لأول مرة من سنين، حسيت إني صغير.
صافي قطعت الصمت بعصبية:
“هو إنتي جاية تعملي فيها دراما؟ اشتغلي وخلاص!”
ليلى خدت نفس عميق، وبعدين قالت بهدوء:
“أنا مش بعمل دراما.”
وبعدين مدت إيديها ورفعت الفستان قدامها:
“أنا بشتغل.”
سكتت ثانية.
وبصّتلي آخر مرة، بس النظرة دي كانت مختلفة… مش بتسأل، مش بتعاتب.
بتقفل باب.
وقالت جملة واحدة:
“أنا بقيت أعيش يا أستاذ… من غير ما أستنى حد يرجع.”
اللحظة دي… حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي.
مش عشان فقدتها.
لكن عشان اكتشفت إن اللي سيبته زمان… ما بقاش في نفس المكان اللي أنا واقف عنده دلوقتي.صافي كانت لسه هترد، لكن صوت الباب وهو بيتقفل خبط في المكان كله.
ليلى خرجت من المخزن وهي شايلة الفستان، ومشيت ناحية الكاشير كأن اللي حصل من دقيقة ما أثرش فيها.
أنا واقف مكاني.
مش قادر أتحرك.
صافي شدّتني من دراعي بعصبية:
“إنت هتفضل واقف كده؟! إحنا جايين نشتري!”
لكن صوتها كان بعيد… كأنه جاي من حتة تانية خالص.
مشيت وراها غصب عني، بس عيني كانت بتلاحق ليلى وهي بتخلص الحساب بهدوء، بتطوي الفستان، بتسلمه، بتبتسم ابتسامة مهنية باردة.
ولا كأنها شافتنا أصلاً.
لما خلصت، رفعت راسها، وقالت:
“اتفضلوا… يومكم سعيد.”
جملة عادية.
بس كسرت فيا حاجة اتبنت سنين.
صافي خرجت قدامي وهي بتتمتم:
“ناس غريبة… أنا مش فاهمة إيه الدراما دي.”
وقفت عند باب المحل، مستناني.
لكن أنا ما خرجتش وراها.
رجعت خطوة لورا.
وبصيت على ليلى.
كانت لسه واقفة عند الكاشير، بتراجع درج الحسابات، بتلم حاجتها، كأنها بتقفل فصل كامل من حياتها.
من غير
ما تبصلي.
قلت بصوت واطي، أول مرة أتكلم من ساعة ما دخلنا:
“ليلى…”
إيدها وقفت لحظة.
لكنها ما بصّتش.
قلت تاني:
“أنا…”
وسكت.
أني اكتشفت إني مش عارف أقول إيه.
أقولها إني غلطت؟ أقولها إني افتكرت قيمتها متأخر؟ أقولها إني كنت أعمى؟
ولا كل ده ملوش معنى دلوقتي؟
ليلى قفلت الدرج، وبهدوء شديد قالت من غير ما تلف:
“لو سمحت… لو مفيش حاجة هتتقال في الشغل، الباب هناك.”
الإشارة كانت واضحة.
مش عايزة كلام.
ولا اعتذار.
ولا ماضي.
صافي نادت من بره بانفعال:
“إنت ناوي تفضل جوه كتير؟!”
ليلى أخيرًا رفعت عينيها… مش ليا أنا.
لباب المحل.
وقالت بهدوء أقوى من أي صوت:
“اتفضلوا تقفلوا الباب وراكم.”
وقبل ما أتحرك، شفتها وهي بترجع تركز في شغلها تاني، كأننا كنا مجرد زبائن وعدوا.
لكن الحقيقة اللي اتكتبت جوايا في اللحظة دي كانت أبسط وأقسى:
أنا ما خسرتش ليلى يوم ما سيبتها…
أنا خسرتها يوم ما افتكرت إن رجوعها احتمال.خرجت من المحل، وصافي ماشية قدامي وهي بتتكلم بعصبية:
“إيه اللي حصل جوا ده؟! إنت كنت غريب جدًا! البنت دي شغالة وخلاص، مش فاهمه التوتر اللي عندك!”
ما رديتش.
كنت ماشي جنبها جسمي بس… لكن عقلي لسه جوه المحل.
جوه عيني ليلى وهي بتقفل
علينا الباب من غير ما ترتعش.
ركبنا العربية، وصافي فضلت تتكلم طول الطريق، وأنا ساكت تمامًا.
لحد ما فجأة قالت:
“بقولك إيه… إنت شكلك لسه متعلق بيها؟”
الفرامل جت عندي من غير ما أقصد.
سكت لحظة.
وبعدين قلت بصوت هادي جدًا:
“أنا اللي ضيّعتها.”
صافي بصّتلي باستغراب:
“ضيّعتها؟! دي كانت بتشتغل في محل! إنت بتقول إيه؟”
سكت.
لأني لأول مرة فهمت إن اللي قدامي مش مجرد “محل” ولا “شغل”.
دي حياة كاملة أنا مش جزء منها دلوقتي.
وصلنا البيت.
دخلت من غير ما أكلمها، وسيبتها ورايا بتتكلم لوحدها.
قفلت باب الأوضة عليّا.
وقعدت.
ساعات وأنا ثابت مكاني.
كل حاجة في دماغي كانت بتعيد نفس المشهد:
ليلى وهي واقفة.
ليلى وهي بتبلع كرامتها.
ليلى وهي بتقفل الباب في وشي.
وفجأة…
قمت.
فتحت درج قديم في الدولاب.
لقيت فيه حاجة كنت فاكر إني رميتها من سنين.
صورة قديمة لينا إحنا الاتنين.
هي كانت مبتسمة.
وأنا كنت بصّ لها كأني مش واخد بالي من أي حاجة حواليّا.
بصيت للصورة… وهمست لنفسي:
“كنت أعمى… مش زهقت.”
في اللحظة دي، موبايلي رن.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *