قصه كامله

افتكرت إن صمتي ضعف وإني هكون مجرد كارت بنك في حياتهم.. بس ما تعرفش إن اللي تبني في سنين، تقدر تهده في لحظة!
في فرح ابني الوحيد في قاعة من أفخم قاعات القاهرة، وقفت العروسة قدامي، وبصت في عيني بمنتهى التكبر والغرور وقالتلي من بكرة يا حجة.. لازم تفهمي إنك مابقتيش من العيلة، أنا اللي بقيْت الكل في الكل هنا.. المشيخة بتاعتك انتهت! أنا ساعتها ما اتكلمتش.. ابتسمت بهدوء، وما دخلتش معاها في أي جدال، ولفيت ظهري ومشيت. وفي نفس اللحظة، والصوت العالي شغال والناس كلها بترقص ومبتسمة وبتبارك، سحبت تليفوني بالراحة وبلغت المحامي يلغي تحويل ال 800 ألف جنيه اللي كنت مخصصاهم عشان يشتروا بيهم شقتهم الجديدة.. محدش أخد باله من حاجة.. ولا حد حس باللي حصل.. كانوا كلهم مشغولين بالفرح والظيطة!
أنا اسمي هدى، عندي ثمانية وستين سنة، وعلى مدار خمسة وثلاثين سنة كاملة كنت شغالاني محل ورد صغير على قد حالي. المحل ده ما عمليش ملايين، بس سترني ورزقني بالحلال، وخلاني أعرف أربي ابني أحمد بعد ما أبوه اتوفى وهو لسه طفل صغير. مرت عليا أيام وسنين كان القرش فيها بالحساب، سنين كتير حرمت نفسي فيها من أي حاجة عشان هو يتعلم ويبقى
حاجة كبيرة، وكنت بأقف بالساعات على رجلي من أذان الفجر عشان أجهز طلبات الورد وأنا شايلة هم مصاريف الشهر، بس كل التعب ده كان بيهون وأنا شايفاه بيكبر قدامي ويبقى راجل جدع ومحترم.
طول السنين دي، كنت بشيل القرش على القرش.. مش لنفسي، عشانه هو، ولحد ما خطب كنت جمعت 800 ألف جنيه.. مش عشان أتباهى بيهم، ولا عشان أفرض نفسي عليه، كنت عايزاهم يبدأوا حياتهم مرتاحين ومن غير ديون ولا أقساط تقطم ظهرهم.
بس قبل الفرح بتمن شهور.. كل حاجة اتغيرت!
أحمد كان متعود كل يوم جمعة يجيلي الصبح، نعمل الفطار مع بعض، نشرب الشاي ونضحك ونفتكر أيام زمان.. دي كانت أحلى أوقاتي. فجأة لما دخلت نوران حياته، بدأت مكالماتي تروح على المفيش، وكل ما أسأله عن حاجة في ترتيبات الخطوبة أو الفرح، يتردد ويقولي بجفاء غريب نوران هي اللي ماسكة كل حاجة يا أمي.
قابلت نوران كام مرة قبل الفرح، وكل مرة كنت بخرج منها وأنا حاسة بغصة في قلبي. في عزومة عيلة، أحمد كان بيحكي موقف يضحك من طفولته، وقبل ما يكمل لقينا نوران قطعت كلامه ببرود وقالتله الكلام ده ملوش لازمة يا أحمد.. المهم نركز في المستقبلي! أحمد سكت فوراً وكأن على رأسه الطير، والأوضة كلها بقت في حالة إحراج. وفي عزومة ثانية، جت متأخرة ساعة كاملة، وطول القعدة باصة في فونها، ولما حاولت أفتح معاها كلام بالراحة، ضحكت بسخرية وقالتلي أنا ورايا شغل يا طنط..
فيه ناس بتتعب عشان تجيب القرش! الكلام كان يوجع، مش لأنه صح، بس لأنها ما تعرفش كمية العرق والتعب اللي وقفتهم على رجلي عشان أربي ابنها وأوصله للمكانة دي.
قبل الفرح بعشر أيام، لما كنت في أتيليه الفستان ببارك لها، قربت مني والضحكة المزيفة على وشها وقالتلي بصوت واطي محدش يسمعه غيري إحنا شاكرين أوي على الفلوس يا طنط.. وده بصراحة كل اللي إحنا محتاجينه منك! مسكت نفسي بالصعوبة، وقلت يمكن مضغوطة من الفرح والترتيبات وشيطان ودخل بينهم. وقبل الفرح بأيام، اديت لأحمد الشيك بال 800 ألف جنيه.. أحمد حضنني وبكى، وشفت فيه الطفل الصغير اللي ربيته.. بس نوران بصت للشيك وقالت بمنتهى البرود بداية كويسة! ولا كلمة شكر ولا كلمة تقدير.
وجي يوم الفرح، والقاعة كانت زي الخيال، والورد في كل حته.. ولما جه وقت المباركة، قربت مني ونوران حواليها صاحباتها، وبصتلي بكبرياء وقالت بصوت مسموع من بكرة.. لازم تفهمي موقعك كويس، أنتِ مابقتيش من عيلة أحمد، هو بقا ليه عيلة جديدة.. وأنا الرئيسة هنا مش أنتِ!
في اللحظة دي.. مشاعري كلها اتجمدت، التعب والحرمان وسهر الليالي اتبخروا في لحظة.. وخرجت من قاعتي وأنا محسومة الموقف ومبتسمة..
يا ترى إيه اللي هيحصل لما يكتشفوا إن الشيك اتلغى والفلوس طارت في الهواء؟ وهل أحمد هيعرف حقيقة مراته قبل ما الفأس تقع في الرأس ولا هيفضل ماشي وراها للآخر؟
خرجت من القاعة وأنا حاسة إن قلبي بيتقطع، لكن لأول مرة من سنين، دموعي ما نزلتش.
ركبت عربيتي، واتصلت بالمحامي.
قلتله بهدوء
يا أستاذ شريف… نفذ اللي اتفقنا عليه.
رد عليّ
حضرتك متأكدة؟ بعد ما الشيك اتسلّم؟
قلت
الشيك لسه ما اتصرفش، ألغيه فورًا.
قال
اعتبريه اتلغى.
قفلت المكالمة، ومسحت دمعة نزلت ڠصب عني.
ماكنتش بزعل على الفلوس…
كنت بزعل إن ابني اللي ربيته على إيدي وقف ساكت وهو شايف مراته تهيني.
رجعت البيت، قلعت هدوم الفرح، وصليت ركعتين، ودعيت ربنا
يا رب، لو ابني مظلوم افتح عينيه… ولو راضي باللي حصل، ارزقني القوة إني أبعد.
…
تاني يوم الصبح، كان عندهم ميعاد مع صاحب الشقة.
راح أحمد ونوران ومعاهم الشيك.
بعد أقل من نص ساعة، تليفوني رن.
كان أحمد.
صوته كله ارتباك.
يا أمي… الشيك اترفض!
قلت بهدوء
عارفة.
سكت ثواني وقال
يعني
لمحة نيوز




