كنا قاعدين علي السفره

في جزء من الثانية، تحولت السفرة لساحة معركة ضد الوقت. ماما خطفت طاجن الجمبري وهو لسه بيطلع دخان وسخونة، وجريت بيه على المطبخ، وأنا وأخويا لمينا الأطباق والرز والسلطة في حركات عشوائية مرعوبة، لدرجة إن معلقة وقعت على الأرض وعملت صوت رنين عالي في الصالة. تسنيم، مرات أخويا، كانت واقفة متجمدة في مكانها، الرعب رجع لملامحها وعينيها بتتحرك بين باب المطبخ وباب الشقة اللي كان خلاص بيتفتح.
بابا دخل.. هيبته وملامحه الجادة كانت كفيلة تخلي الدم يهرب من عروقنا. حط مفاتيحه على الترابيزة الصغيرة اللي جنب الباب، وبص لنا نظرة فاحصة، عينيه بدأت تتحرك في الصالة، وعدت على السفرة الفاضية اللي لسه ممسوحة بسرعة، وبعدها ثبتت علينا وإحنا واقفين زي المتهمين في قفص الاتهام.
أول كلمة نطقها كانت وهو بيشم الهوا ببطء: “إيه الريحة دي؟”
البيت كله كان لسه ماليان بريحة التوم والبهارات وطشة الجمبري الإسكندراني، ريحة قوية ومستحيل تتدارى بسهولة. ماما طلعت من المطبخ وهي بتمسح إيديها في المريلة، وبتحاول تظهر طبيعية جداً، وقالت بصوت هادي فيه رشة ارتباك: “أهلاً يا أبو حسن، جيت بدري يعني النهارده؟ الشغل خلص بدري ولا إيه؟”
بابا محركش عينه من عليها، وممشيش خطوة واحدة جوه الصالة، فضل واقف مكانه وقال بنبرة حادة: “بقول إيه الريحة دي يا أم حسن؟ دي مش ريحة طبيخك بتاع كل يوم.. في ريحة زفارة سمك أو حاجة تانية في البيت.”
في اللحظة دي، أنا حسيت إن رجلي مش شايلاني. بصيت لأخويا، لقيت دراعه عروقه بارزة وهو ضامم إيده، ونظرة الغضب بتاعت امبارح بدأت تظهر تاني في عينيه. لو بابا عرف، مش هتبقى مشكلة أكل، هتبقى مشكلة “كسر كلامه” والتمرد على الأصول اللي فرضها امبارح بالحديد والنار.
ماما لفت بسرعة وبصت لتسنيم اللي كانت واقفة وراها، وقالت بذكاء ودهاء الأمهات: “أصل تسنيم يا سيدي.. كتر خيرها، صحت الصبح بدري وقالت لازم أنظف المطبخ والبيت كله بالخل والليمون عشان الروائح، وعملت دقة توم وخل عشان كانت بتنظف علب البهارات القديمة.. مش كده يا تسنيم؟”
تسنيم هزت رأسها بسرعة وهي بتبلع ريقها: “آه.. آه يا عمي، فعلاً.”
بابا مشي خطوات بطيئة ناحية السفرة، حط إيده على الخشب.. الخشب كان لسه دافي مطرح الطاجن السخن اللي كان محطوط عليه من دقيقة. بص لإيده، وبص لنا، ووشه مكنش بيقول إنه صدق الكلمة. قرب من المطبخ، وفتح الباب على آخره.





