الجرسونه وزعيم المافيا

فما قدرتش تنطق.
كل اللي كانت قادرة تعمله إنها تبص للراجل الواقف قدامها.
كأن عقلها رافض يصدق اللي عينها شايفاه.
عشرين سنة.
عشرين سنة كاملة وهي مقتنعة إن أبوها تحت التراب.
وإن ذكرياتها معاه مجرد صور قديمة وصوت نسته مع الوقت.
لكن دلوقتي
هو واقف قدامها.
بلحمه ودمه.
الراجل مد خطوة للأمام.
وهو بيبكي.
وقال
كبرتي يا بنتي.
الجملة كانت كافية.
ندى انفجرت في البكاء.
لكنها ما جريتش عليه.
ما نادتوش يا بابا.
فضلت واقفة مكانها.
والدموع نازلة بغزارة.
لأن الفرحة كانت مخلوطة بغضب.
بوجع.
بسؤال واحد بقاله عشرين سنة.
ليه؟
الراجل حاول يقرب.
لكنها رفعت إيدها.
وقالت بصوت مرتعش
لا.
وقف مكانه فورًا.
ندى كانت بتنهج.
وقالت
متقربش.
فارس خفض رأسه.
وكأنه كان متوقع رد الفعل ده.
أما الرجل العجوز فبدأت دموعه تنزل أكتر.
وقال
من حقك.
ندى صرخت فجأة
من حقي؟!
المطعم كله كان ساكت.
محدش قادر يتحرك.
قالت وهي بتبكي
من حقي إيه بالظبط؟
من حقي أكبر من غير أب؟
من حقي أتشحطط أنا وأمي؟
من حقي كل عيد أشوف البنات مع آبائهم وأنا أبكي لوحدي؟
الرجل سكت.
وكل كلمة كانت بتضربه كأنها سكين.
ندى كملت
عارف يعني إيه بنت صغيرة تسأل كل يوم بابا فين؟
وعارف يعني إيه محدش يعرف يجاوبها؟
وفي يوم تخرجي؟
وفي كل أزمة؟
الرجل بدأ يبكي بصوت مسموع.
لكن ندى ما كانتش قادرة توقف.
سنين الوجع كلها خرجت دفعة واحدة.
كنت فين؟!
كنت فين وأنا وأمي بنبيع دهبها علشان نعرف نعيش؟
كنت فين لما مرضت ومحدش دفع تمن العلاج؟
كنت فين؟!
الرجل جلس على أقرب كرسي.
كأنه لم يعد قادرًا على الوقوف.
وقال بصوت مكسور
كنت بتفرج.
ندى شهقت.
أما فارس فأغمض عينيه.
وقال الرجل
وكل يوم كنت بموت.
ندى بصت له بعدم فهم.
فأخرج من جيبه محفظة قديمة.
فتحها.
وطلع منها عشرات الصور.
صور لندى.
في المدرسة.
في الجامعة.
في حفلات التخرج.
حتى صور حديثة.
ندى أخذت الصور بذهول.
وقالت
دي إزاي؟
الرجل ابتسم وسط دموعه.
وقال
ما سبتكيش يوم.
كنت بعيد
لكن عمري ما غبت.
ندى كانت تتصفح الصور بسرعة.
وفي كل صورة كانت أكبر سنة.
وأكبر سنتين.
وأكبر خمسة.
وكأن حد كان بيراقب حياتها كلها.
قالت
مين كان بيجيب الصور؟
فارس رد
أنا.
ندى رفعت رأسها.
فارس قال
أنا كنت حلقة الوصل.
الرجل العجوز أكمل
كنت بطلب منك كل خبر.
كل صورة.
كل تفصيلة.
كنت عايز أعرف بنتي عاملة إيه.
ندى هزت رأسها بعنف.



