صاحب الملك

جوزي بقاله شهور بيتعامل معايا كأني ضيفة في شقتي.. الشقة اللي دافعة تمنها مليم على مليم من شقايا وتعب سنيني، لحد ما وصل بيه الجبروت إنه حاول يطردني من مكتبب عشان يسكّن فيه أمه.. وفي الليلة دي بس، عرف إنه مكنش فاهم أي حاجة، ولا كان عارف مين اللي بجد ماسك لجام الأمور.
إنتي بجد غيرتي كوالين الشقة؟ افتحي الزفت ده فوراً!
الساعة كانت ستة الصبح لما صوت حماتي رن في ممر العمارة في المعادي فايزة مهتزتش ولا جفن ليها طرف. كانت صاحية من بدري، قاعدة ورا بار المطبخ الرخام، وماسكة كوباية القهوة بقلم منال علي في إيد، وفي الإيد التانية ظرف أبيض مقفول.. كانت مستنية اللحظة دي طول الليل.
من تلات سنين، فايزة كانت فاكرة إن جوازها من سالم معناه إنهم بيبنوا حياة سوا.. لكن دلوقتي اكتشفت إنها كانت بتمول رفاهية بني آدم بيعتبر الحب كارت بلانش ملوش حدود، وبيفتكر الصبر خيبة وقلة حيلة.
فايزة كانت شريكة مديرة في مكتب محاسبة قانونية، بتقضي يومها كله بتكشف تلاعب الشركات وتتبع التحويلات المستخبية وتفضح الكدب المتغطي بالأرقام.. السخرية المرة كانت إنها مخدتش بالها من أكبر عملية نصب كانت بتحصل جوه بيتها!
كل حاجة انفجرت ليلة امبارح.. بقلم منال علي
رجعت من المكتب حوالي الساعة تمانية بالليل، هلكانة، ودماغها مليانة تقارير واجتماعات. لكن أول ما فتحت باب الشقة، مسمعتش كلمة حمد لله على السلامة.. سمعت صوت تقيل، صوت خشب بيتحك بحدة في الأرض.
مشت ورا الصوت لحد ما وصلت لمكتبها.. وشافت اللي

مكنتش تتخيله اتنين عمال بيحاولوا يشيلوا مكتبها الأرو الغالي، وحماتها بهيرة واقفة بتوزع أوامر كأنها وارثة البيت ده أب عن جد!
براحة يا واد إنت وهو، المكتب ده غالي.. بهيرة قالتها بمنتهى الثقة، وبصت لفايزة وقالت سالم عاوز الأوضة دي تبقى ليا، خلاص بقى كفاية زحمة ومكاتب في بيت الراجل!
فايزة اتسمرت مكانها.. بيته؟! بقلم منال علي
في ثواني ظهر سالم بترينج الرياضة، والعرق على جبينه، وعلى وشه نظرة الثقة اللي كانت زمان بتخطف قلبها، ودلوقتي مابتجبش غير الغثيان.
مش عاوزين فضايح.. سالم قالها ببرود أمي محتاجة خصوصية، وإنتي أصلاً مابتستخدميش الأوضة دي كتير، طول النهار برا.
مكتبي بقى بالنسبة لك أوضة فاضية يا سالم؟ فايزة سألته وهي مش مصدقة.
الشقة دي شقتي زي ما هي شقتك، ومن حقي أقرر مين يقعد فين! سالم رد وهو مربع إيده.
الجملة دي كانت أصعب من أي شتيمة.. كانت اعتراف. سالم كان مصدق فعلاً إن إقامته في الشقة، ونومه فيها، ومنظره قدام صحابه بعنوان البيت الشيك، مخليه صاحب ملك. مكنش فارق معاه إن فايزة هي اللي دافعة المقدم، والاقساط، والدهانات، وحتى العفش.. مكنش فارق معاه إنه مدفعش فيها تعريفة واحدة.
فايزة بطلت تجادل.. مفيش فايدة من الكلام مع حد قرر يمسح وجودك من حياته وهو لسه عايش على قفاك. ابتسمت بهدوء غريب رعبهم هما الاتنين.
تمام.. اللي تشوفه. فايزة قالتها ببساطة.
سالم اتنفس الصعداء ورسم ابتسامة انتصار أهو كده.. قومي بقى اعملي لأمي كوباية شاي وبطلي تكبري المواضيع.
فايزة معملتش شاي.. دخلت الريسبشن، وفتحت موبايلها وبعتت رسالة لشركة أمن خاصة
تغيير كوالين الشقة بالكامل فوراً. دخول بالبصمة. خدمة عاجلة ومصاريف إضافية للسرية.
وبعدين فتحت فايل على اللابتوب بتاعها.. فايل كانت بتجمعه في سكات بقالها شهور؛ فيه كشوف حسابات، تحويلات، فواتير، واسكرينات لكل مليم صرفته.. الفايل كان اسمه المخرج الأخير.
لما سالم وأمه خلصوا احتفالهم في المطبخ وكأنهم احتلوا قلعة، فايزة ندهت عليه بصوت ناعم ومسالم
سالم.. ما تنزل تجيب لنا آيس كريم نحلي بيه؟ على حسابي.. خد الفيزا السودة أهي.
سالم ضحك زي الطفل اللي لقى كنز، خد الكارت ونزل هو وأمه وهما بيخططوا لباقي التعديلات في الشقة.
أول ما باب الأسانسير قفل، فايزة دخلت عملت إيقاف للكارت، ووقفت تشرف على الفنيين وهما بيركبوا الكوالين الجديدة، وبصت في ساعتها وقالت بهمس
اشبع بالآيس كريم يا سالم.. عشان ده آخر حاجة هتدفع تمنها من فاسي!
واللي حصل بعد كده.. كان صدمة مكنش حد في العمارة كلها مستعد ليها..
فايزة متحركتش من مكانها.. فضلت قاعدة ورا الرخامة، وماسكة الفنجان بإيد مشدودة كأنها ماسكة آخر حتة فاضلة من حياتها المستقرة اللي كانت فكراها حقيقة.
من ورا الباب، رن صوت بهيرة تاني، بس المرة دي كان أشرس وأحدّ، وكل كلمة فيه كأنها خبطة شاكوش
يا فايزة! أنا عارفة إنك جوه! افتحي فوراً بدل ما أطلب لك البوليس!
فايزة حطت الفنجان بالراحة.. صوابعها مكنتش بتترعش، وده استغربته هي شخصياً. يمكن عشان طول الليل كانت عايشة اللحظة دي في خيالها، خطوة بخطوة. كانت متوقعة الصرخة دي، والتهديد ده، وحتى النفس اللي بهيرة بتاخده عشان تطلع كلام ألعن وألعن.
على الرخامة كان فيه ظرف أبيض.. مكنش فيه جواب غرامي ولا رسالة درامية، كان فيه صور مستندات طبعتها ليلة امبارح، كأنها بتحط نقطة في آخر جملة فضلت تتكتب سنين.
قامت فايزة، وقفت ورا الباب وبصت من العين السحرية.
بهيرة كانت واقفة بالبالطو فوق قميص البيت، كأنها واحدة هربانة من حفلة خلصت فجأة.. وجنبها سالم عمال يفرك في إيده، وشه أحمر من الغل وشفايفه بتترعش. الغرور اللي كان دايماً سنده بدأ يتشقق، بس لسه بيحاول يتشعبط فيه.
فايزة! سالم صرخ إنتي اتجننتي؟ افتحي الزفت ده!
فايزة مفتحتش، ردت بصوت هادي ورزين من ورا الباب
يا سالم، ممكن تتكلم بأدب.. أنا مبقتش أستحمل العصبية، ولا بقت من استايلي خلاص.
بهيرة نفخت بضيق
استايلك؟ إنتي مين أصلاً عشان تتأمري علينا؟ ده بيتنا!
فايزة ابتسمت.. مش فرح، ولا غل، لكن ابتسامة إدراك إن الكدب دايماً صوته بيعلى لما الحقايق بتبان.
لأ يا بهيرة هانم.. فايزة قالتها بوضوح ده مش بيتكم.. دي شقة أنا اللي مأجراها، وأنا اللي دافعة تمنها مليم بمليم؛ إيجار، وفواتير، ودهانات، وعفش.. كل حاجة.
السكوت ساد لثانية واحدة.. بعدها سالم اندفع وخبط بإيده على الباب بكل قوته
أنا عايش هنا! أنا جوزك! وليّا حق!
فايزة حست بنفس الشعور اللي بيجيلها في الشغل؛ لما العميل يبدأ يزعق، بتعرف إن معندوش حجة.
ليك حق في المودة والرحمة.. قالتها ببرود مش حق إنك تعتبر حياتي خدمة مجانية ليك.. وأكيد ملكش حق إنك تحول مكتبي لأوضة
لمحة نيوز
لمامتك.
بهيرة صوتها علي تاني
البوليس! أنا هطلب البوليس! إنك تغيري الكوالين دي جريمة!
فايزة خدت نفس طويل
اطلبي يا بهيرة هانم.. بس قولي لهم إنكم كنتوا بتحاولوا تقتحموا شقة إنتو مش مسجلين فيها ولا معزومين، وقولي لهم إنكم امبارح حاولتوا تسرقوا عفش مكتبي.. أنا عندي فيديو من كاميرات العمارة، وعندي تسجيلات شركة الأمن اللي غيرت الكوالين.
سالم اتسمر مكانه.. ده اللي مكنش عامله حساب. هو اتعود إن فايزة ست بيت صالحة مبتطلعش أسرارها بره، وبتحل كل حاجة بالصبر والذوق. لكن دلوقتي، كانت بتتكلم كأنها في مكتبها، لما الأرقام مابتجمعش والحق بياخد مجراه.
فيديو إيه؟ وتصوير إيه؟ سالم سأل بصوت مبحوح.
فايزة مكملتش كلام.. رجعت لورا، ومسكت الموبايل، وطلبت النظام.
بعد ربع ساعة، ظهر في الممر أستاذ حازم من إدارة العمارة، ومعاه فرد أمن.. اللي كان واقف امبارح وقت تغيير الكوالين. اتكلموا بمنتهى الأدب، بس كانوا حيطة سد.. والحيطة دي مابتتحركش بالمشاعر، بتتحرك بالقانون.
فايزة وراربت الباب حتة صغيرة، وقفت بثبات والظرف في إيدها
صباح الخير يا أستاذ حازم.. بلغتوني إن فيه مشكلة في الدخول للشقة؟
بهيرة دخلت في الموضوع فوراً
غيرت الكوالين! ده بيت العيلة! مانعة صاحب البيت يدخل!
حازم بص لسالم بهدوء
مين المستأجر في العقد يا فندم؟
فايزة مدت إيدها بصورة العقد.. كان اسمها هي، وهي بس.
أنا المستأجرة، وأنا اللي بدفع.
بهيرة اتراجعت خطوة بس لسه بتعافر
دي متجوزاه! ده جوزها!
حازم هز رأسه بأسف بقلم منال علي
الحالة الاجتماعية مبتغيرش بنود العقد.. المستأجر هو اللي بيقرر مين يدخل

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *