لاول مره سمحت لي كنتي احمم حفيدي

التفت إلى زوجته، فرفعت هي رأسها بعد صمت طويل وقالت:
“أول ما حكالي… رفضت.”
نظرت إليها بدهشة، فقالت وهي تمسح دموعها:
“رفضت مش علشان الطفل… رفضت علشان الكذبة. قلتله: إحنا عمرنا ما بنينا حياتنا على كدب، إزاي هنعيش العمر كله خايفين الحقيقة تتكشف؟”
أطرق ابني برأسه، ثم أكمل:
“قعدنا الليلة كلها ما نمناش… وكل واحد فينا بيحاول يقنع التاني برأيه، لحد ما قبل الفجر قالتلي جملة عمري ما هنساه.”
ابتسمت زوجته ابتسامة باهتة وسط دموعها وقالت:
“قلتله… الطفل ده ذنبه إيه؟ هو ما اختارش يتولد بالشكل ده… ولو إحنا رفضناه، هيكبر وهو بيدفع تمن غلطة ما عملهاش.”
ساد الصمت للحظات.
ثم أكملت وهي تنظر إلى الصغير النائم بين ذراعيها:
“أنا وافقت أكون أمه… من اللحظة دي. مش علشان كنت محتاجة طفل… لكن علشان هو كان محتاج أم.”
شعرت بغصة تخنق أنفاسي، لكن سؤالًا واحدًا ظل يطاردني منذ بدأت الحكاية.
رفعت عيني إلى ابني وقلت بصوت مرتجف:
“وابن أختي؟… إزاي قدر يعيش بكل السر ده؟”
تنهد طويلًا، ثم قال:
“كان شايل هم الدنيا فوق كتفه يا أمي… ولما سلمني الطفل، قعد يبصله وقت طويل، ولا مرة شاله بين إيده من غير ما يبكي.”
سكت لحظة، وكأنه ما زال
يرى ذلك المشهد أمام عينيه، ثم أكمل:
“قبل ما يمشي، قالي: (أنا غلطت… والغلطة دي هفضل أشيلها طول عمري، لكن الطفل ده مالوش ذنب. من اللحظة اللي هتستلمه فيها، يبقى ابنك قدام ربنا وقدام الناس. أوعى في يوم الحقيقة دي تهد بيتك، ولا تجرح مراتي، ولا تخلي ابني يكبر وهو حاسس إنه ابن غلطة.)”
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم أردف:
“الست السايحة اللي اتجوزها وقّعت كل الأوراق، وسافرت بلدها، وكانت مصرة إنها تقطع أي صلة بالطفل… وهو كان مرتاح، لأنه كان عارف إنه هيفضل مطمن عليه معانا.”
خفض رأسه قليلًا، ثم قال بصوت خافت:
“وبعدها بأسابيع… حصل الحادث… وأخد السر كله معاه.”
شعرت وكأن الأرض تميد بي.
تذكرت يوم وفاته ووقوفي بجوار أختي وهي تبكي ابنها، ويوم عدت إلى بيتي وأنا أردد أن الموت خطفه قبل أوانه…
ولم يخطر ببالي لحظة، أن أغلى ما تركه خلفه لم يكن مالًا ولا بيتًا… بل طفلًا صغيرًا كان ينام وقتها في غرفة ابني، وأنا أزوره كل أسبوع، وأحمله بين ذراعي، دون أن أعرف أن في ملامحه آخر ما تبقى من ابن أختي.


