لاول مره سمحت لي كنتي احمم حفيدي

انفجرت زوجة ابني في البكاء، ثم قالت وهي تضم الطفل إلى صدرها:

“ومن يومها… ما بقاش أمانة في رقبتنا وبس… بقى ابننا. وكل يوم كنت بخاف ييجي اليوم اللي الحقيقة

تنكشف فيه، فيحس إنه أقل من أي طفل، أو يحس إن مكانه في البيت ده كان مجرد شفقة… وأنا عمري ما حبيته شفقة، أنا حبيته لأنه ابني.”
رفعت عيني نحوها، وقلت بصوت ما زال يحمل شيئًا من العتاب:

“طيب ليه… ليه تخبوا عليا؟ أنا أمك.”

رد ابني بسرعة، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال منذ سنوات.

“علشانك إنتِ.”

تجمدت في مكاني.

“أنا؟”

اقترب مني، وجلس أمامي كما كان يفعل وهو صغير، ثم أمسك يدي وقال:

“إنتِ طول عمرك بتحلمي تشوفي حفيدي… وكنتِ كل ما تشوفي طفل في العيلة تقولي: يا رب أشيل ابن ابني قبل ما أموت.”

أخفض رأسه وهو يكمل:

“ولما الدكتور قال إني مستحيل أخلف… حسيت إني فشلت قدامك، ومقدرتش أقولك الحقيقة.”

ارتجفت يدي بين يديه.

أما زوجته فقالت بصوت مكسور:

“وأنا خفت… خفت لما تعرفي إنه مش من دمه، تبصي له كل مرة على إنه غريب… حتى لو من غير قصد.”

هززت رأسي بسرعة.

“أنا؟ أعمل كده؟”

قالت وهي تبكي:

“مكنتش أعرف… كنت خايفة بس.”

تنهدت، ثم نظرت إلى الطفل.

“واللاصقة؟”

ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت:

“أول ما استلمناه… وأنا بغيرله هدومه، شفت الوحمة.”

وسكتت لحظة قبل أن تكمل:

“افتكرت كلام حضرتك… كل مرة كنتِ تحكي عن أختك

الله يرحمها، وإن الهلال الصغير اللي بين الكتفين ده كان علامة في ولادها كلهم.”
ابتلعت ريقها.

“عرفت إنك لو شوفتيها… هتوصلي للحقيقة في ثانية.”

“ومن يومها… بقيت أغير اللاصقة قبل كل زيارة، وأرفض أي حد يحممه… وكل مرة كنت أقول لنفسي: يوم واحد كمان… شهر كمان… سنة كمان… لحد ما أبقى قادرة أقول الحقيقة.”

نظرت إليها طويلًا.

وفجأة… اختفت كل الأسئلة.

لم أرَ أمامي امرأة خدعت ابني.

ولا امرأة سرقت طفلًا.

رأيت أمًا…

أمًا اختارت أن تحب طفلًا لم تحمله في بطنها، وعاشت شهورًا طويلة ترتجف خوفًا من أن يضيع منها إذا انكشف السر.

اقتربت منها ببطء.

مددت يدي إلى ظهر الطفل.

نزعت اللاصقة من فوق المنشفة، ثم ألقيتها في سلة المهملات.

نظرت إلى الوحمة مرة أخيرة.

ثم قبلت ظهره قبلة طويلة.

ورفعت عيني إليهما وقلت بصوت اختلطت فيه الدموع بالابتسامة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *