بين الاهانه والأمومة

مرسي اتصدم من أسلوبها، هو اللي كان متعود على الدلع والكلام الناعم يوم ما كان بيغيظني بيها. قرب منها بغضب وقال:
ـ “أنتِ بتعلي صوتك عليا؟ نسيتي نفسك ولا إيه؟ أنا مرسي اللي غرقك لبس ودلع، والظروف دي غصب عني بسبب المحاكم والقضايا!”
ردت عليه بشرارة وشماتة هزت كيانه:
ـ “دلع إيه ولبس إيه؟ أنت بقيت رد سجون، ونصف مرتبك رايح لأماني وعيالها! أنا مش هقعد في الفقر ده، ومش هخدمك في الشقة القميئة دي.. روح هات أماني تخدمك وتخدمك زي ما كنت عاملها خدامة، إنما أنا هدى.. والوضع ده مش عاجبني وميلزمنيش!”
الكلمة نزلت على مرسي زي النار. افتكر الفرق بين الست اللي صرت معاه على الحلوة والمرة وسكتت على فقره سنين وحافظت على بيته، وبين الست اللي اشتراها بالفلوس وأول ما الهوا اتقلب، تخلت عنه ودست على وشّه.
من كتر الغل والدم اللي فار في دماغه، ما حسش بنفسه.. صرخ فيها:
ـ “أنتِ بتقلبي عليا يا خاينة؟”
ورفع إيده وضربها بالقلم على وشها.
هدى اتجننت، هجمت عليه بشوافرها وبتصوت وب ت ش تمه بأبشع الألفاظ. الشجار بينهما كبر، والضرب بقى من الطرفين، وفي وسط الزعيق والرقع، مرسي زقها بكل قوته عشان يبعدها عنه.. هدى فقدت توازنها، ووقعت على طرف الترابيزة الخشب القديمة، ونزلت على الأرض بصوت مرعب وهي بتصرخ ماسكة بطنها:
ـ “آآآه.. بطني يا مرسي! العيل.. العيل بيموت!”
مرسي وقف في مكانه متثمر من الصدمة والرعب، شايفها بتتلوى على الأرض والدم بيسيل منها. اتنقلت للمستشفى في حالة حرج، والدكاترة بلغوه بالخبر الصدمة:
ـ “الجنين نزل.. للأسف الشديد سقطت، والتعدي سبب لها نزيف حاد.”
في لحظة واحدة، مرسي خسر كل حاجة.. خسر العيل اللي كان طالع بيه السماء، وخسر هدى اللي رفعت ق\ضية عدم تعرض وجناية ضرب أدت لإجهاض، وخسر كرامته وشقته وأم عياله.
قعد على رصيف المستشفى لوحده في الضلمة، حاطط راسه بين إيديه وبيعيط بدموع الندم المرة. افتكر أماني، افتكر دعوتها عليه يوم ما رمى طبق المية والملح، وعرف إن عدالة ربنا بطيئة بس سريعة في الأخذ.. وأن اللي يظلم أم عياله عشان شهوته وكبره، ربنا بيكسره من نفس العين اللي استقوى بيها.
مرسي قعد على رصيف المستشفى والدموع مغرقة وشه، الليل كان كاحل والبرد بياكل في جسمه، بس البرد اللي جوه قلبه كان أصعب بكتير. افتكر كل لحظة ظلم فيها أماني.. افتكر لما كان بيديها المصروف باليومية عشان يذلها، افتكر لما ساب هدى تداس عليها وتحاسبها، وافتكر يوم ما أجبرها تطلع تمسح وتنضف وهي كسيرة الجناح.





