بين الاهانه والأمومة

سبتها ومشيت، وأنا حاسة إن حسرتها ورعبها هما العقاب العادل لكل قسوة شفتها منها.
مرت الأيام، وأنا بدأت أقف على رجلي بجد. نزلت دورت على شغل، والحمد لله ربنا فتحها في وشي وقدرت اشتغل وأوفر لعيالي كل اللي محتاجينه. والنيابة حكمت لي بـ **نفقة زوجية ونفقة صغار وأجر مسكن**، بقى يتاخد من مرتبه ومن أملاكه بقوة القانون، من غير ما أترجاه في قرش واحد ولا أستنى منه حسنة.
في يوم، كنت قاعدة في شقتي المبسطة النظيفة، العيال حوليا بيكتبوا واجباتهم وبيضحكوا، والبيت مليان دفء وأمان لأول مرة من سنين طويلة.
ابني الكبير قرب مني، مسك إيدي وباسها وقال لي:
ـ “عرفتي يا ماما؟ الناس في المنطقة مابقوش يقولوا عليكي اللي كانوا بيقولوه زمان.. النهاردة كل الناس بتقول إنك ست بمليون راجل، وإنك حاربتي عشاننا وجبتيلنا حقنا.”
الكلمة دي نزلت على قلبي زي المطبخ البارد في حر الصيف. ساعتها بس عرفت إن السكوت على الظلم عمره ما كان تضحية، وأن قوة الأم وكرامتها هما الحماية الحقيقية لعيالها.
رفعت راسي للسما وقلت: “الحمد لله.. مابقيتش الست المكسورة، ولا بقيت رخيصة.. أنا أم عرفت تاخد حقها وحق عيالها بشرف وكرامة.
بعد ما اتجدد حبس مرسي، أهل الخير اتدخلوا ودفعلوا كفالة عشان يخرج على ذمة الق\ضية لحد جلسة المحاكمة. خرج من السجن وهو حاسس بالكسرة والغل، الدنيا كلها اسودّت في وشي. لا بقاله هيبة قدام الناس، ولا أخد الشقة، ومرتبه اتقص منه نفقة للعيال بالقانون.
رجع بشنتطه على الشقة القديمة بتاعة أمه تحت.. الشقة اللي كان فاكر إنه رمى فيها “أم عياله” عشان تتداس، بقى هو اللي محبوس فيها.
أول ما فتح الباب ودخل، كانت ضرتي قاعدة على الكنبة القديمة، وراسمة التكشيرة على وشها. لا قامت استقبلته ولا حتّى سألت فيه. كانت الأوضة مكركبة، والفرش القديم مغطى بالتراب، ولا في أكل ولا شرب.
وقف مرسي قدامها وهو تعبان ومظلوم من حبسة التخشيبة، وقال بصوت مخنوق:
ـ “إيه يا هدى؟ ولا كلمة حمد لله على السلامة؟ ولا حتّى كوباية مية لراجل طالع من الحجز؟”
بصت له بمنتهى القرف والازدراء، وقامت وقفت وهي فاردة إيدها وبتزعق بصوت عالي:
ـ “حمد لله على السلامة على إيه يا خويا؟ على الفضيحة اللي عملتهالنا في المنطقة؟ ولا على قعدة الحارة والشقة القديمة اللي رميتني فيها دي؟ أنا اتجوزتك عشان أتدلع وأعيش في العز الشقة اللي فوق، مش عشان تقعدني في الكركبة والفرش المعفن ده!”





