الجندية

ىجلست ليلى على كرسي في الحديقة بعيدًا عن الضوضاء، تراقب المشهد بصمت. كانت ترتدي بنطال جينز بسيط وقميصًا أبيض. بالنسبة لسلمى ورفيقاتها من النخبة، لم تكن ليلى سوى “جندية فاشلة”، امرأة أهدرت شبابها في الجيش بلا إنجاز، تعيش الآن، حسب ما تقوله الشائعات العائلية، على مدخرات زوجها الراحل. لم يعرف أحد في هذا المنزل حجم إنجازاتها الحقيقية، وليلى كانت تفضل أن يبقى الأمر هكذا.

توتر الجو عندما بدأت سلمى تبحث عن أحمر شـ,ـفاهها على الطاولة المليئة بالحقائب، وفتحت عن طريق الخطأ (أو بنية سيئة) حقيبة ليلى الخضراء. أخرجت أصابعها المزينة بالأظافر المثالية صندوقًا صغيرًا من المخمل الأزرق. عند فتحه، انعكس ضوء الشمس على ميدالية لامعة. كانت ميدالية الشجاعة والبطولة، واحدة من أعلى الأوسمة وأكثرها احترامًا في البلاد.

—انظروا إلى هذا، يا فتيات! —صاحت سلمى، رافعة الميدالية كأنها مجرد لعبة للسخرية، وتجذب انتباه الجميع—. “بطلة” العائلة أحضرت لعبتها. ما هذا يا ليلى؟ هل أعطوها لك لمجرد تقشير البطاطس في مطبخ الثكنة؟

وضعت ليلى كأس الماء على الطاولة. لم يظهر على وجهها أي انفعال، لكن عينيها ثبتت على الميدالية التي كانت في يد أخت زوجها.

—أعيديها، سلمى. رجاءً —قالت ليلى بصوت هادئ وغريب، لا يوحي بالضعف، بل بالتحذير البارد.

—هذه اللعبة الرخيصة؟ —سخرت سلمى، وهي تتجول بالقرب من الشواية الكبيرة حيث الفحم مشتعل—. أنتِ محتال. امرأة تعتمد على الآخرين وتحتاج إلى اختراع ميداليات لتشعر أن حياتها لها قيمة.

بحركة احتقار، رمت سلمى الميدالية مباشرة إلى الفحم. بدأت الشريط الحريري الملون بالدخان والاشتعال على الفور.

—لا! —صرخة حادة كسرت موسيقى الخلفية.

ركض آدم، ابن ليلى البالغ من العمر 8 سنوات، نحو الشواية يائسًا. كان يعرف قيمة هذه الميدالية بالنسبة لوالدته. في محاولته لالتقاطها من الفحم، اصطدم بساقي سلمى.

كانت ردّة فعل المرأة فورية، وحشية ومبالغ فيها. دون تفكير، رفعت سلمى يدها ووجهت صفعة قوية للطفل. ارتطـ,ـم رأسه بحافة حجرية للحديقة وسقط بلا حراك على العشب.

عمّ الصمت القـ,ـاتل المكان. ليلى لم تصرخ، ولم تبكِ. ركعت بجانب ابنها، وفحصت نبضه المتقطع، بينما سلمى كانت تسخـ,ـر بلا أي شعور بالندم.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *