انا اسفه

رجعت خطوتين لورا وقالت بصوت خافت مرتعش: — “عمر؟! أنت… أنت إيه اللي جابك هنا في الميعاد ده؟! أنا بعتلك…” قاطعتها بهدوء، وقربت وطيت رفعت الملف من على الأرض وحطيته على الترابيزة قدامها. طلعت الظرف والورقة والخاتم وحطيتهم جنب الملف. بصيت في عينيها مباشرة وقلت بصوت دافي وثابت: — “أنا جيت عشان أردلك الأمانة دي… وأصلح غلطة في حساباتك يا سارة.” دورت عينيها في الأرض وقالت وهي بتحاول تمنع دموعها: — “عمر أرجوك… ما تصعبهاش عليا وعليك. الترقية دي أنا حلمت بيها سنين، وساعات شغلي هتكون بالليل كلياً… أنت راجل شغلك صبحي ومتعب، ومفيش راجل بيستحمل مراته تسيب البيت بالليل عشان ترعاني ناس غريبة… أنت تستاهل واحدة تفضالك وتستناك.”

ابتسمت ابتسامة خفيفة، وسحبت كرسي صغير وقعدت قدامها في نص صالة التمريض، والناس والعمال رايحين جايين. قلت لها بكل صراحة وصدق: — “أنا لما بدأت شغلي بعربية نص نقل قديمة واتنين صنايعية، كل الناس قالتلي أنت بتضيع عمرك ومش هتنجح. ولما بقيت أدخل البيوت والمواقع بهدومي المليانة تراب وزيت، الناس كانت بتبصلي بقلة تقدير… أنا أكتر واحد فاهم يعني إيه بني آدم يبني نفسه بعرق جبينه، وأكتر واحد أقدر قيمة الشغل الشريف والمجهود اللي بتعمليه.” مسكت إيدها الباردة بين إيديا الاثنين وكملت: — “أنا ما اتجوزتكيش عشان تقعدي في البيت تستنيني بالساعات وتعمليلي أكل. أنا حبيت سارة البنت القوية، الممرضة الشاطرة اللي بتسيب راحتها ونومها عشان تنقذ روح بتصرخ في الطوارئ. الترّقية دي مش حائل بيني وبينك… الترّقية دي خطوة نجاح لينا إحنا الاثنين!”

سارة بدأت دموعها تنزل بغير سيطرة، وبصتلي بذهول مش قادرة تصدقه: — “يعني… أنت مش زعلان إن شغل الليل هيمنعنا نتقابل كتير؟! مش هتقولي لي زي غيرك إن الشغل أهم منك؟!” طلعت الخاتم الفضي من الظرف، ومسكت صباعها ولبستهولها بهدوء، وقلت لها بابتسامة وغمزة ودودة: — “أنا شغلي مقاولات وكهرباء يا سارة… يعني بصلح المقفول وأفوت للضوء يمر. لو أنتِ شغال ليل، أنا هظبط مواعيد مروري على المواقع عشان أكون مستنيكي باليونيفورم بتاعك قدام باب المستشفى الصبح ونفطر سوا… واليوم اللي تكوني فيه محتاجة تنامي، كتفي موجود وفي الخدمة 24 ساعة.” سارة غطت وشها بإيديها الاثنين وقعدت تبكي بحرقة… لكن المرة دي كانت دموع ارتياح وأمان وشفاء من كل الخوف اللي عاشته سنين طويلة. زميلاتها وموظفي الاستقبال اللي كانوا بيراقبوا المشهد من بعيد بدأوا يصفقوا بابتسامات دافية، والدكتور النبطشية قرب وبارك لينا وهو بيضحك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *