انا اسفه

ومن يومها، سارة بقت تعتذر عن كل حاجة. تتأخر… تعتذر. ترد متأخر… تعتذر. تنام وهي بتتفرج على فيلم… تعتذر. وفي مرة، نامت فعلًا على كتفي في السينما. ولما صحيت، قالت وهي مكسوفة: “أنا أسوأ ديت في الدنيا.” ضحكت. وقلت: “إنتِ كنتِ محتاجة تنامي أكتر ما كنتِ محتاجة تتفرجي على الفيلم.” بعد 3 شهور، بقينا قريبين جدًا.
لكن في يوم، المستشفى عرض عليها أكبر ترقية كانت بتحلم بيها. رئيسة تمريض الفترة الليلية. مرتب أعلى. منصب أكبر. وساعات شغل أكتر بكتير. كنت فاكر إنها هتكلمني وهي فرحانة. لكنها اختفت فجأة. بطلت ترد على مكالماتي. وبعد أسبوع كامل… وصلني ظرف من غير اسم مرسل. جواه خاتم كنت ناوي أخطبها بيه… ومعاه ورقة صغيرة مكتوب فيها: “سامحني… اخترت الشغل، قبل ما تجبرني أختار بينه وبينك.”
استقرت الورقة في كف إيدي، والخاتم الفضي البسيط كان بيلمع تحت إضاءة مكتب المقاولات الفاتحة. مسكت الورقة وقريت السطور الخمسة أكتر من عشر مرات، وكل مرة كنت بحس بغصة في زوري وجمرة نار بتتحرك في صدري. سارة اختفت… مش لأنها مش بتحبني، ولا لأنها طمعت في الترقية، لكن لأن الخوف والتردد اللي اتزرعوا جواها من خطيبها القديم كانوا أقوى من ثقتها في المودة اللي بنيناها سوا. كانت فاكرة إن كل الراجل هييجي عليه يوم ويتخيرها بين شغله ووجوده، فاختارت تضرب الضربة الأولى بنفسها وتبعد عشان ترحم نفسها من كسرة قلب تانية كانت متوقعة إنها جاية لا محالة! قفلت الورقة، وحطيت الخاتم في جيب جاكيت الشغل، ونزلت فوراً للعربية النص نقل. الساعة كانت 11 بالليل.
اتجهت مباشرة لمستشفى الطوارئ اللي شغال فيها سارة. المطر كان بينزل خفيف على الإزجاج، وكل السكون اللي في شوارع القاهرة كان بيزيد من توتري. دخلت الاستقبال بحركة سريعة ومباشرة، ومشيت في الممرات اللي تفوح منها ريحة المظهرات الطبية. كانت واقفة عند كاونتر التمريض، لابسة اليونيفورم الأزرق، شعرها الملموم بعناية، وعيونها شاحبة وتعبانة كأنها ما نامتش من أسبوع كامل. كانت بتراجع ملفات المرضى ويديها بتترعش خفيف. أول ما قربت منها، زميلتها في الشغل حست بالتوتر وانسحبت ببطء. سارة رفعت عينها… ولما شافتني واقف قدامها، اتجمدت مكانها. الملف وقع من إيدها على الأرض، وشفت الخوف والربكة في عينيها.




