العدالة بقلم محمد نور

كده، هنفضل موقفين صلاحياتك الجراحية لحد ما نخلص مراجعة القضية.
بصيت له بعدم تصديق وسألته
ومرضاي يا دكتور؟ مين هيكمل علاجهم؟
رد من غير ما يتردد
فيه دكاترة تانيين هيهتموا بحالاتهم.
قلت له بقلق
عندي عملية إصلاح في الشريان الأورطي متحدد لها يوم الخميس. الحالة معقدة جدًا، والمړيض محتاج تدخل جراحي دقيق، ومش سهل أي حد يتعامل معاها!
حتى إنه ما رفعش عينه من الورق اللي قدامه، وقال ببرود
المستشفى يقدر يشتغل من غيرك يا دكتورة مريم.
الجملة دي كانت كفاية بالنسبة لي.
خلعت بطاقة المستشفى، وحطيتها قدامه، وخرجت من مكتبه من غير ما أقول كلمة تانية.
في الليلة نفسها، روحت بيت الحاجة نادية علشان أواجهها وأعرف إزاي قدرت تعمل فيا كده.
لقيت خطيبي، أحمد الشناوي، قاعد جنبها في الصالون.
الحاجة نادية ما حاولتش حتى تمثّل إنها متفاجئة من وجودي.
بصتلي بابتسامة مستفزة وقالت
أهو أخيرًا اتعلمتي إن شغلك مش أهم من عيلتك!
بصيت لها مباشرة وسألتها
إنتِ اللي قدّمتي البلاغ ضدي؟
ردت بمنتهى البرود
أيوه، أنا.
قلت وأنا بحاول أسيطر على أعصابي
وإنتِ عارفة إن كل اللي مكتوب فيه كدب؟
ابتسمت وقالت
كنت عايزاكي تفهمي إن بعد الجواز، هيبقى عندك مسؤوليات تانية غير المستشفى والعمليات.
وبعدين سحبت ورقة من جنبها وزقّتها ناحيتي فوق الترابيزة.
كانت اتفاقية جواز!
مسكت الورقة وبدأت أقرا البنود، وكل سطر كان بيكشف لي قد إيه هما شايفيني مجرد واحدة مطلوب منها تتنازل عن حياتها علشان ترضيهم.
كان مطلوب مني أسيب شغلي كجرّاحة، وأدي أحمد السيطرة على دخلي، وأسجّل اسمه في ملكية شقتي، وكمان أخلف طفل خلال أول سنة من الجواز!
فضلت باصة للورقة للحظات، مش مصدقة إن دي شروط الجواز اللي كنت على بُعد أسبوع واحد منه.
رفعت عيني للحاجة نادية وسألتها
ولو رفضت أمضي الكلام ده؟
حطّت رجل على رجل، وردت بثقة وكأنها ضامنة النتيجة
هسحب البلاغ أول ما تمضي. إنما لو رفضتي، نشوف بقى أنهي مستشفى هيرضى يشغّل جرّاحة متهمة إنها بتاخد رشاوي!
لفّيت وشي ناحية أحمد، اللي كان قاعد ساكت طول الوقت.
سألته وأنا ببص في عينيه
إنت كنت عارف إن أمك بتعمل كل ده؟
اتجنب النظر ليا، وقال بتردد
أنا كنت فاكر إنها بس عايزة تخوّفك شوية، مش أكتر.
بصيت له پصدمة وقلت
تخوّفني؟ دي دمّرت سمعتي ومستقبلي وشغلي اللي قضيت عمري كله ببنيه!
لكنه رد بمنتهى
اللامبالاة
يا مريم، ما تكبّريش الموضوع. هي ما دخلتكيش السچن يعني!
في اللحظة دي، فهمت الحقيقة اللي كنت رافضة أشوفها طول فترة خطوبتنا.
أنا ما كنتش هتجوز راجل بيحبني وبيحترمني.
أنا كنت هتجوز راجل مستني مني أتنازل عن نفسي، وأدفن أحلامي بإيدي، وأعيش طول عمري على مزاجه ومزاج أمه.
قلعت الدبلة من صباعي، وحطّيتها فوق اتفاقية الجواز، وقلت بحسم
خلاص، كل حاجة بينا انتهت!
الحاجة نادية اڼفجرت في الضحك، وقالت بسخرية
هترجعي ټندمي، وهتعرفي بنفسك قد إيه صعب تلاقي عريس في سنك!
ما رديتش عليها، ولا حتى بصيت لأحمد مرة تانية.
اللي ما كانتش تعرفه إني كنت سجلت المحادثة كلها من أولها لآخرها.
في الليلة نفسها، لغيت الخطوبة رسميًا، واتفقت مع محامية علشان تبدأ إجراءات الدفاع عني، وقدّمت استقالتي من المستشفى.
لكن وأنا برتّب المستندات الخاصة بالبلاغ، لفت نظري تفصيل غريب.
الحساب البنكي اللي المفروض إنه استقبل المبلغ ما كانش تابع للحاجة نادية، زي ما كنت متوقعة.
الحساب كان مرتبط بشخص شغال معايا في نفس المستشفى!
شخص عنده صلاحية الوصول لملفات المرضى، ومواعيد العمليات، والمعلومات الطبية السرية اللي محدش المفروض يطّلع عليها غير المصرح لهم.
الشخص ده كان الدكتور طارق الشناوي.
زميلي في قسم جراحة القلب والأوعية الدموية.
والراجل اللي بقاله سنتين بيحاول بكل الطرق ياخد مكاني ويستحوذ على منصبي!
احتفظت بكل الأدلة اللي وصلت لها، وما واجهتوش في الوقت ده.
كنت لسه ما أعرفش المؤامرة دي وصلت لحد فين، ولا مين كمان كان متورط فيها.
لكن بعد 3 أيام بالضبط، وفي الساعة 617 الصبح، تليفوني بدأ يرن بشكل متواصل.
كان أحمد بيتصل بيا مرة ورا التانية.
ولما أخيرًا رديت، سمعت صوته وهو بيعيط ومش قادر يسيطر على نفسه.
صړخ في التليفون
يا مريم، أمي حصلت لها مضاعفات خطېرة في القلب! الدكاترة بيقولوا إنها مش هتعيش من غير عملية عاجلة!
رديت بهدوء
أمال مستنيين إيه؟ ما يعملوا لها العملية!
قال بسرعة وهو بيحاول يشرح
مش قادرين! عندها إصابة خطېرة في الشريان الأورطي، وكمان عاملة عملية قبل كده، وده مصعّب الحالة جدًا. اتصلوا بكذا دكتور متخصص…
صوته بدأ يتهز، وبعدين كمل
كلهم بيقولوا إن العملية خطېرة جدًا، وإن نسبة نجاحها قليلة!
سكت لحظة، وبعدين سألته
إنت عايز مني إيه يا أحمد؟
رد بصوت مكسور
رئيس قسم الجراحة
بيقول إنك الوحيدة اللي عندك خبرة في تقنية معينة ممكن تنقذها. بيقول إنك سبق ونجحتي في حالات شبه حالتها،