العدالة بقلم محمد نور

وإن مفيش حد غيرك يقدر يتعامل مع التعقيدات دي!
فضلت ساكتة وأنا ببص للتليفون.
وبعدين أحمد قال جملة خلت الډم يتجمد في عروقي
يا مريم… الشخص الوحيد اللي يقدر ينقذ أمي، هو نفسه الشخص اللي أمي طردته من المستشفى ودمّرت مستقبله!
وقبل ما ألحق أرد عليه، وصلتني رسالة جديدة على الموبايل.
كانت من الدكتور طارق الشناوي.
فتحت الرسالة، ولقيتها عبارة عن جملة واحدة
لو رجعتي المستشفى، كل اللي عملناه هيتكشف. إوعي ترتكبي الغلطة دي!
حماتي لفّقتلي تهمة وحرمتني من شغلي.. وبعد 3 أيام بقت حياتها في إيدي!
الجزء الثاني
فضلت واقفة مكاني كام ثانية، ببص لرسالة الدكتور طارق المنشاوي.
اللي عملناه!
هو ما قالش اللي عملته، لكنه قال اللي عملناه.
الكلمتين دول أكدوا لي إن اللي حصل ما كانش مجرد مؤامرة من ست عايزة تسيطر على مرات ابنها المستقبلية، لكن فيه شخص تاني مشارك معاها، والشخص ده شغال جوه المستشفى!
تليفوني رن تاني. كان أحمد.
سيبته يرن، وخدت لقطة شاشة للرسالة وبعتها لمحاميتي، الأستاذة نهى منصور.
ردت عليّا فورًا
ما ترديش على طارق، واحتفظي بالرسالة الأصلية. هطلب رسميًا الحفاظ على كل الأدلة والمراسلات الإلكترونية.
وبعدها اتصلت بيا.
إنتِ فين يا مريم؟
في البيت.
أوعي تروحي المستشفى قبل ما نتكلم.
الحاجة نادية محجوزة هناك.
سكتت لحظة، وبعدين سألتني
حالتها خطېرة؟
أحمد بيقول إنها محتاجة عملية عاجلة في الشريان الأورطي.
تنهدت نهى وقالت
لازم تفهمي خطۏرة رجوعك. الست دي لفّقتلك تهمة علشان تدمرك. لو رجعتي، أي مضاعفات ممكن تحصل هيستخدموها ضدك.
قربت من الشباك، وبصيت للمدينة اللي بدأت تصحى.
لو الشريان عندها متضرر بالشكل اللي أحمد بيقوله، ممكن ټموت النهارده.
عارفة.
وأنا مش هقدر أستغل حالة طبية طارئة علشان أنتقم منها، مهما عملت فيا.
سكتت محاميتي شوية، وبعدين قالت
يبقى لو قررتي تساعديها، لازم كل حاجة تتم بشكل قانوني ورسمي. من غير اتفاقات جانبية، ومن غير ما تعرضي نفسك لمشكلة مهنية جديدة.
ده اللي هعمله.
قفلت معاها، وافتكرت أول مرة قابلت فيها الحاجة نادية، من 3 سنين، في عشا عائلي.
يومها أحمد قدّمني ليها بفخر، وقال إني من أكفأ جرّاحات القلب في المستشفى.
ابتسمت، لكن أول سؤال سألتهولي كان
وإنتِ بالشغل ده كله، هتلاقي وقت تهتمي بابني؟
افتكرت وقتها إنها بتهزر.
دلوقتي فهمت إنها ما كانتش بتهزر أبدًا.
1. مكالمة المستشفى
الساعة 705 الصبح، جالي
اتصال من شخص ما كنتش متوقعة أسمع صوته.
كان الدكتور حسام عبد الرحمن، رئيس قسم جراحة القلب والأوعية الدموية.
يا دكتورة مريم، محتاج أتكلم معاكي بخصوص مريضة.
عارفة حضرتك تقصد مين.
الحاجة نادية، عندها 64 سنة، وعندها تاريخ سابق لإصلاح تمدد في الشريان الأورطي. الأشعة أظهرت مضاعفات خطېرة في مكان العملية القديمة، وفيه علامات على ڼزيف محصور ممكن يتطور في أي لحظة.
اتجمدت مكاني.
الڼزيف المحصور ممكن يتحول لڼزيف قاټل من غير أي إنذار.
حالتها مستقرة؟
مؤقتًا، بالأدوية والمراقبة المكثفة، لكن الوضع بيتدهور.
وإيه الخيارات المتاحة؟
استشرنا مركزين متخصصين. واحد منهم بيدرس نقلها، لكننا خايفين إنها ما تستحملش الطريق.
سكت لحظة، وبعدين قال
محتاجين تقييمك للحالة.
فكرته باللي حصل.
أنا موقوفة عن دخول العمليات، وكمان استقالتي اتقبلت.
عارف، وعشان كده مش هطلب منك تتجاهلي الإجراءات. لو وافقتي تشاركي، لازم نعيد تفعيل صلاحياتك بشكل رسمي من خلال الإجراءات الطارئة المعتمدة.
وطارق المنشاوي؟
سكت لحظات.
ماله طارق؟
أعتقد إننا محتاجين نتكلم عنه كمان.
رد بحزم
الأول ننقذ المړيضة، وبعدها نتعامل مع كل حاجة تانية.
ما كنتش مقتنعة تمامًا، لكن فيه إنسانة في العناية المركزة ممكن ټموت في أي لحظة.
ومهما كنت بكره اللي عملته فيا، فهي لسه مريضة محتاجة مساعدة.
قلت له
ابعتلي الأشعة والتقرير الطبي من خلال النظام الآمن، بعد استيفاء الموافقات المطلوبة، وأنا هراجعهم مع الفريق.
شكرًا يا مريم.
ما تشكرنيش دلوقتي، أنا لسه ما وافقتش أعمل العملية.
بعد حوالي 40 دقيقة، كنت قدام صور الأشعة الخاصة بالشريان الأورطي.
المشكلة كانت واضحة. العملية القديمة غيّرت شكل الأوعية، وأي تدخل جديد هيكون وسط أنسجة متليفة وأوعية دموية ضعيفة جدًا. ومكان الإصابة هيصعّب السيطرة على الڼزيف.
العملية ما كانتش مستحيلة، لكنها من العمليات اللي أي خطأ فيها ممكن يكلّف المړيضة حياتها خلال دقائق.
كنت اتعاملت مع حالات مشابهة أثناء فترة تدريب وبحث علمي قضيتها في القاهرة، وعندي خبرة في التعامل مع النوع ده من المضاعفات المعقدة. خبرتي ما كانتش معناها إن محدش غيري يقدر يعمل العملية، لكن كانت مناسبة لصعوبة الحالة.
اتصل بيا الدكتور حسام تاني.
إيه رأيك؟
محتاجة تدخل جراحي عاجل لو التدهور استمر، لكن لازم يكون فيه فريق مجهز كويس وخطة بديلة لأي طارئ.
تقبلي تقودي العملية؟
بصيت للأشعة
مرة أخيرة.
عندي 3 شروط.
اتفضلي.
أولًا، صلاحياتي الجراحية تتفعّل رسميًا وبشكل مكتوب قبل ما أشارك كجرّاحة رئيسية. ثانيًا، جرّاح مستقل يراجع الحالة ويوافق على الخطة. ثالثًا، محدش من أحمد أو أمه أو الإدارة يتدخل في القرارات الطبية.
موافق.
وفيه شرط رابع يا دكتور حسام.
إيه هو؟
طارق المنشاوي مش هيكون ضمن فريقي.
اتغيرت نبرة صوته.
ليه؟
عندي أدلة تخليني أعتقد إنه شارك في فبركة الأدلة ضدي.
سكت طويلًا، وبعدين قال
تعالي المستشفى، وأنا هتأكد إن إدارة الالتزام والتحقيقات تستلم المعلومات دي فورًا.
2. الست اللي حاولت تدمرني
وصلت المستشفى الساعة 920 صباحًا.
آخر مرة دخلت من الأبواب دي، كانت الممرضات بيتجنبوا النظر في عيني، والشائعات عن الرشوة اللي اتهموني بيها بتنتشر في الممرات.
لكن المرة دي، نظراتهم كانت مختلفة.
إحدى الطبيبات المقيمات قربت مني بسرعة.
دكتورة مريم، شكرًا إنك جيتي.
حالة المړيضة إيه؟
ضغطها بدأ ينخفض، وبيحاولوا يثبتوه.
اتجهت مباشرة للعناية المركزة.
لقيت أحمد واقف في الممر، وشه شاحب وعينيه حمرا من العياط. أول ما شافني، جري ناحيتي.
مريم!
حاول يحضني، لكني بعدت عنه.
أنا هنا علشان أقيّم حالة مريضة يا أحمد، ما تخلطش الأمور ببعضها.
وقف مكانه وقال
عارف، أنا بس كنت عايز…
الدكتور حسام فين؟
جوه.
مسك دراعي برفق وقال
أمي ما كانتش تعرف إن الموضوع ممكن يوصل لكده.
بصيت له باستغراب.
محدش بيعرف إمتى هيحتاج مساعدة.
هي مړعوپة، وبتسأل عليكي.
استغربت.
بتسأل عليّا أنا؟
هز راسه.
عايزة تعرف إذا كنتِ هترفضي تعمليلها العملية.
أخدت نفس عميق وقلت
قول لها إن قراراتي الطبية مش بتتحدد حسب مشاعري ناحيتها.
بدأ أحمد يعيط.
يا مريم، أنا كنت غبي. كان لازم أدافع عنك.
أيوه، كان لازم.
لما أمي قدمت البلاغ، افتكرت إنها بتحاول تخليكي تفكري تاني في موضوع شغلك. ما تخيلتش إنك هتسيبي المستشفى فعلًا.
بصيت له وقلت
عارف إيه أسوأ حاجة في كلامك؟ إنك لسه بتتكلم كأن استقالتي هي المشكلة، مش إنكم حاولتم تدمروا حياتي.
وطّأ راسه.
ما قدرتش أواجه أمي.
لأ يا أحمد، إنت اخترت ما تواجههاش.
سيبته ومشيت ناحية غرفة المړيضة.
كانت الحاجة نادية نايمة على سرير العناية المركزة، وشها شاحب، وحواليها أجهزة مراقبة، وعلى وشها قناع أكسجين.
الست اللي كانت من كام يوم بتهددني من وسط صالون بيتها الفخم، شكلها اتغير كأنها كبرت عشر سنين.
أول ما شافتني، حاولت
ترفع جسمها.
مريم…
قلت لها بحزم
من فضلك ما تتحركيش يا حاجة نادية.
عينيها اتمَلَت بالدموع.
إنتِ جيتي علشان تعمليلي العملية؟
جيت علشان أشوف