العدالة بقلم محمد نور

فوق سرير العمليات ما كانتش حماتي المستقبلية. كانت مريضة عندها إصابة ممكن تودي بحياتها، وأنا الجرّاحة المسؤولة عن علاجها.
الساعات الأولى كانت صعبة للغاية.
آثار العملية القديمة كانت بتعقّد الوصول لمكان الإصابة، وكل خطوة كانت محتاجة دقة شديدة.
كنت أنا وسارة شغالين بتناغم، لحد ما وصلنا لأخطر لحظة.
صوت طبيب التخدير ارتفع
الضغط بينخفض!
بصيت لمكان الجراحة، ولقيت نزيفًا شديدًا بدأ يظهر.
قلت بحزم
لازم نسيطر على الڼزيف فورًا!
سارة قربت مني وقالت
أنا معاكي.
الدقايق اللي بعدها عدّت كأنها ساعات. الفريق كله اشتغل حسب خطة الطوارئ، من غير ما حد يفقد تركيزه.
كنت عارفة إننا قريبين جدًا من کاړثة.
وسط التوتر، افتكرت يوم ما الحاجة نادية سخرت من مهنتي وقالت
هو ليه الست محتاجة تقضي كل الساعات دي جوه غرفة العمليات؟
الإجابة كانت قدامي.
لأن فيه ناس حياتها متوقفة على الساعات دي، ولأن إنقاذ الأرواح محتاج دراسة وتدريب وخبرة ومسؤولية، مش مجرد رغبة في مساعدة الآخرين.
ولأن إنقاذ حياة إنسان عمره ما كان مرتبطًا بكون الطبيب راجل أو ست، لكنه مرتبط بالعلم والإنسانية.
بعد لحظات، أعلن طبيب التخدير
الضغط بدأ يستقر!
ما احتفلتش، لأن لسه قدامنا شغل كتير.
كملنا العملية، وبعد حوالي ساعة إضافية، نجحنا في تجاوز أصعب مرحلة من إعادة بناء الشريان.
راجعت سارة النتيجة وقالت
تدفق الډم كويس.
هزيت راسي، وكمل الفريق الفحوصات اللازمة، وبعدها بدأنا إغلاق الچرح.
لما خلعت القفازات أخيرًا، كان عدى أكتر من 6 ساعات.
كتافي كانت متصلبة وظهري بيوجعني، وكنت منهكة تمامًا.
لكن الحاجة نادية كانت لسه عايشة.
حالَتها فضلت حرجة، وال ساعة اللي جاية كانت هتحدد مدى استقرارها. نجحنا في تجاوز أول عقبة، لكنها لسه ما خرجتش من دائرة الخطړ.
لقيت أحمد مستنيني في الممر. أول ما شافني وقف بسرعة وسأل
أمي عاملة إيه؟
العملية خلصت، وهي عايشة، ودلوقتي بتنقل للعناية المركزة.
رجليه كادت ټخونه، فسند نفسه على الحيطة وبدأ يعيط.
شكرًا… شكرًا يا مريم!
شرحت له إن لسه فيه مخاطر، وإن الفريق هيواصل مراقبة حالتها.
حاول يمسك إيدي، لكني ما سمحتلوش.
قال
إنتِ أنقذتي حياة أمي.
رديت
أنا عالجت مريضتي يا أحمد.
إنتِ فاهمة قصدي.
أيوه. أنا ما جيتش علشان لسه بحبك، ولا علشان مستنية أمك تتغير. أنا جيت لأن حياتها تستحق فرصة، ولأني كنت قادرة أساعدها.
عيط في صمت وقال
عمري ما هقدر أعوضك.
أنا مش مستنية منك تعويض.
ومشيت من غير ما أبص ورايا.
والمرة دي، ما لحقنيش.
6. التحقيق يكشف المؤامرة
بعد يومين من العملية، بدأت تظهر علامات تحسن مشجعة على حالة الحاجة نادية، رغم استمرار وجودها في العناية المركزة.
وفي الوقت نفسه، التحقيق في البلاغ كان بيتقدم بسرعة.
محاميتي نهى منصور قدمت طلبًا رسميًا للحفاظ على السجلات الرقمية والمراسلات والمستندات المستخدمة ضدي، وإدارة الالتزام بدأت تحقيقًا مستقلًا.
المحققون اكتشفوا مخالفات في ملف التحويل البنكي المزعوم، وكمان في سجلات الدخول إلى المعلومات السرية الخاصة بالمرضى.
طارق كان اطّلع على بيانات ما كانش محتاجها في شغله، وبعدها ظهرت البيانات نفسها ضمن البلاغ.
وظهرت كمان رسائل متبادلة بينه وبين الحاجة نادية.
في واحدة منها، كانت كاتبة
أول ما مريم تسيب المستشفى، أحمد هيخليها تمضي الاتفاقية، وإنت الطريق هيبقى مفتوح قدامك للترقية.
ورد طارق
بس اتأكدي إن محدش يقدر يتتبع المستند ويوصله ليا.
لما نهى ورّتني الرسائل، فضلت ساكتة فترة طويلة.
الموضوع ما كانش مجرد خلاف عائلي. دي كانت مؤامرة متخطط لها علشان يضروني عمدًا.
الحاجة نادية كانت عايزة تسيطر على جوازي وحياتي، وطارق كان عايز يستغل غيابي علشان يحصل على ترقية، وأحمد فضّل يتفرج من بعيد بدل ما يواجههم.
أما إدارة المستشفى، فقررت تبعدني بدل ما تضمن تحقيقًا عادلًا وشفافًا.
كل واحد فيهم لقى مبرر علشان يتعامل مع مستقبلي المهني كأنه شيء مالوش قيمة.
حطت نهى الأوراق قدامي وقالت
يا مريم، عندنا أدلة كافية لبدء إجراءات قانونية، والمطالبة بالتحقيق في المسؤوليات المهنية والچرائم المحتملة.
قلت لها من غير تردد
ابدئي فورًا.
ونقدر كمان نطالب المستشفى بتصحيح علني للي حصل.
هزيت راسي.
أنا مش عايزة اللي حصل لي يتكرر مع دكتور أو دكتورة تانيين.
دي كانت أهم حاجة بالنسبالي.
أي اتهام لازم يتفحص بجدية، لكن التحقيق ما يعنيش إن الشخص يُدان قبل ما تظهر الحقيقة. محدش المفروض يخسر سنين من عمره ومجهوده لمجرد إن شخص قرر يختلق حكاية مقنعة.
بعد أسبوع، أصدرت إدارة المستشفى بيانًا رسميًا أوضحت فيه إن الاټهامات ضدي ما كانتش مدعومة بالأدلة، وإن التحقيق كشف مؤشرات على تزوير المستندات.
وأعلنت اتخاذ إجراءات داخلية وفقًا للوائح المعمول بيها.
أما طارق، فاتوقف عن العمل مؤقتًا لحين انتهاء التحقيق المهني.
بعدها، طلب مني المدير الطبي، الدكتور عادل الشربيني، أقابله.
دخلت نفس المكتب اللي اتمنعت فيه من ممارسة شغلي قبل أيام.
المرة دي، وقف أول ما شافني.
قال
دكتورة مريم، أنا عايز أعتذر لك.
ما رديتش فورًا.
كمل
قرار إيقافك اتاخد بسرعة ومن غير دراسة كافية. كنا قلقانين على سمعة المستشفى.
سألته
وسمعتي أنا؟
وطّأ عينيه.
كان لازم نحمي حقوقك كمان.
فكرته بكلامه
حضرتك قلتلي إن المستشفى يقدر يشتغل من غيري.
اتحرج وقال
كانت جملة غير موفقة.
لأ، كانت واضحة جدًا.
سكت شوية، وبعدها زق ملف ناحيتي.
عايزين نعرض عليكي ترجعي لشغلك، مع استعادة صلاحياتك ومسؤولياتك، ومراجعة راتبك.
بصيت للملف من غير ما ألمسه.
كنت بحلم بالشغل في المستشفى ده من أيام كلية الطب. اتعلمت فيه كتير، وقابلت دكاترة متميزين، وأنقذت أرواح ناس عمري ما هنساهم.
لكن المكان اللي كنت بعتبره بيتي التاني، تخلى عني أول ما ظهرت ڤضيحة.
قلت
بشكر حضرتك على العرض، لكن مش هقدر أقبله.
اټصدم.
يا مريم، نقدر نحسّن الشروط.
الموضوع مش فلوس.
ممكن كمان تتولي إدارة برنامج جراحة الشريان الأورطي الجديد.
ابتسمت ابتسامة بسيطة وقلت
من أسبوع واحد، ما كنتش شايفني أهل إني أدخل غرفة عمليات.
رد بسرعة
إحنا معترفين إننا غلطنا.
يبقى اتعلموا من الغلط ده وما تكرروهوش.
قمت من مكاني وقلت له
أتمنى تحطوا إجراءات تحمي المرضى والأطباء معًا، وتضمن إن أي اتهام يتراجع بعدل قبل ما تتاخد قرارات تدمر حياة الناس. ده أهم من أي عرض ممكن تقدموهولي.
ما حاولش يمنعني من المغادرة.
وأنا خارجة، حسيت بحزن غريب. كنت بسيب ورايا 11 سنة من عمري، لكن في المقابل كنت باستعيد حقي في إني أختار مستقبلي بنفسي.
7. آخر مواجهة مع الحاجة نادية
الحاجة نادية فضلت في المستشفى عدة أسابيع، وتعافيها كان بطيئًا، بين أيام تتحسن فيها وأيام تتعب فيها.
وفي النهاية، خرجت من العناية المركزة.
في صباح أحد الأيام، اتصل بيا الدكتور حسام.
يا مريم، الحاجة نادية طلبت تشوفك.
فكرت أرفض، لأني ما كنتش مدينة لها بأي زيارة. أنا كنت أديت واجبي المهني بالفعل.
لكن بعد تفكير، قررت أروح.
مش علشان أصالحها، لكن علشان أقفل الصفحة دي بطريقتي، من غير ما أسيب لحد فرصة يتكلم نيابة عني.
لقيتها قاعدة جنب شباك غرفتها، خست بشكل واضح، وشعرها الرمادي مربوط بإهمال، ولابسة رداء المستشفى الأزرق.
أول ما دخلت، بصتلي وكأنها مش مصدقة إني جيت.
مريم…
قلت
قالولي إنك عايزة تتكلمي معايا.
هزت راسها ببطء، وكان فيه ظرف على الترابيزة جنبها.
قالت
أول حاجة، عايزة أشكرك.
رديت
الفريق الطبي كله شارك في علاجك، مش أنا لوحدي.
لكن إنتِ وافقتي تيجي بعد كل اللي عملته فيكي.
ما رديتش.
فضلت تمرر
صوابعها على طرف الظرف، وبعدين بدأت تحكي
أنا طول عمري كنت مؤمنة إن الست لازم تحط عيلتها قبل أي حاجة. لما أحمد اتولد، سبت شغلي، وجوزي كان بيتولى كل المسؤوليات.
رفعت عينيها ليا وكملت
بعد ما ماټ، اكتشفت إني ما بعرفش أدير حاجات كتير من غير مساعدته. كنت قضيت عمري كله زوجة وأم، وفجأة ما بقيتش عارفة أنا مين.
فضلت أسمعها من غير مقاطعة.
قالت
أعتقد إن ثقتك في نفسك كانت بتضايقني. عندك شغلك، ودخلك، وشقتك، ومش محتاجة أحمد يصرف عليكي.
صوتها بدأ يرتعش.
وبدل ما أفهم إن ده شيء كويس، اعتبرت إنك مش بتحبيه كفاية.
قلت لها
حبي لأحمد ما كانش معناه إني أبطل أكون نفسي.
هزت راسها.
دلوقتي فهمت.
أخدت نفسًا عميقًا، وكملت
لما طارق اقترح نفبرك الدليل، وافقت. كنت فاكرة إننا هنخوفك بس، ولما تتوقفي عن الشغل هتوافقي على شروطنا.
سألتها
وإنتِ كنتِ عارفة إنك بتتهميني زورًا بالرشوة؟
ردت من غير ما تتهرب
أيوه.
المرة دي، ما حاولتش تبرر فعلتها أو تقلل من خطورتها.
قالت بصوت ضعيف
ما عنديش أي عذر. كنت قاسېة ومتلاعبة وظلمتك ظلم كبير.
فتحت الظرف وطلعت منه ورقة موقعة.
كتبت اعترافًا كاملًا بدوري في اللي حصل، وسلمت الرسائل والمستندات لمحاميّ علشان يقدمها للجهات المختصة.
بصيت للورقة وقلت
ده كان المفروض يحصل من البداية.
عارفة.
مسحت دموعها، وبعدها قالت
أحمد بيقول إنه لسه بيحبك، وطلب مني أكلمك علشان أقنعك تديه فرصة تانية.
فضلت باصة لها، مستنية تكمل.
لكنها هزت راسها وقالت
لأ، مش هعمل كده. لأول مرة في حياته، هسيبه يواجه نتيجة قراراته بنفسه.
الكلام ده فاجأني.
كملت
أنا اللي علمته إنه دايمًا هيلاقي حد يحل مشاكله بدلًا منه. لكن إنتِ مش مطالبة تعملي ده.
سكتنا فترة طويلة، وبعدين سألتني
تفتكري ممكن تسامحيني يومًا ما؟
افتكرت الليالي اللي ما عرفتش أنام فيها، ونظرات زملائي، وإحساسي بالإهانة وأنا خارجة من المستشفى من غير ما أعرف إذا كنت هقدر أرجع لمهنتي.
وافتكرت الخۏف اللي حسيت بيه لما اكتشفت إن كڈبة واحدة ممكن تسلبني كل حاجة.
قلت لها بصراحة
ما أعرفش يا حاجة نادية.
هزت راسها.
من حقك.
كملت
ممكن أكون سعيدة إنك نجوتي، وأتمنى لك الشفاء، لكن ده مش معناه إننا لازم نرجع جزء من حياة بعض.
بدأت ټعيط بهدوء.
فاهمة.
قمت علشان أمشي، لكنها نادتني مرة أخيرة.
مريم.
وقفت.
قالت وصوتها مكسور
كنت غلطانة لما قلت إن الست ما ينفعش تقضي ساعات طويلة في غرفة العمليات.
وبعدين بصتلي مباشرة.
لو كنتِ سمعتي كلامي، يمكن ما كنتيش بقيتي الجرّاحة اللي قدرت تساعدني وقت ما احتجتك.
ما لقيتش رد مناسب للحظات، وبعدها قلت
ما تخليش ست تانية تحس إنها لازم تصغّر نفسها علشان تستحق تكوّن أسرة.
وخرجت من الغرفة.
المرة دي، الحاجة نادية ما حاولتش توقفني.
8. المستقبل اللي اخترته بنفسي
بعد 4 شهور، كنت واقفة في قاعة مؤتمرات في القاهرة، بسمع المذيع وهو بيعلن اسمي.
كنت وافقت أشتغل في مركز متخصص في جراحات الشريان الأورطي المعقدة، في وظيفة تجمع بين علاج المرضى والأبحاث العلمية وتدريب الأطباء المقيمين.
المرة دي، ما كنتش مضطرة أتنازل عن أي جزء من شخصيتي علشان أرضي حد.
بعد المؤتمر، لقيت الدكتورة سارة عبد الحميد مستنياني بين الحضور.
حضنتني وقالت
كنت عارفة إنهم هيختاروكي.
ابتسمت.
أنا ما كنتش واثقة للدرجة دي.
ردت
المفروض تكوني واثقة. خبرتك وشغلك هما اللي بيتكلموا عنك.
كلامها كان له معنى كبير عندي.
لأسابيع، ناس تانية حاولت تحدد أنا مين ست طموحها زيادة عن اللزوم، وخطيبة مش بتسمع الكلام، ودكتورة مشكوك في نزاهتها، وإنسانة المفروض تشكر أي حد يسمح لها ترجع لشغلها.
لكن وسط زملاء بيعرفوا قيمة شغلي، رجعت أحس إني ببساطة مريم الكيلاني؛ جرّاحة لسه قدامها كتير تتعلمه، ولسه عندها كتير تقدمه.
خلال الشهور دي، أحمد حاول يتواصل معايا أكتر من مرة.
في البداية، كان بيبعت رسائل اعتذار، وبعدها بدأ يفكرني بذكريات السنين التلاتة اللي قضيناها سوا.
وفي النهاية، بعتلي جواب طويل، قال فيه إنه بدأ يروح جلسات علاج نفسي، وإنه بيحاول يفهم إزاي سمح لأمه تتحكم في قراراته.
قريت الجواب كله.
كنت سعيدة إنه بدأ يحاول يتغير، لكن ما رديتش. تغييره وإصلاح نفسه ما بقاش لازم يكونوا جزءًا من حكايتي.
ومع الوقت، بطل يبعتلي.
وعرفت من نهى إن التحقيق في قضية البلاغ لسه مستمر، وإن الحاجة نادية وطارق بيتعاونوا، كل واحد من خلال محاميه، لتوضيح اللي حصل.
المسؤوليات القانونية والمهنية هتتحدد من خلال الإجراءات الرسمية.
أما أنا، فقررت ما أدخلش في شائعات أو حملات لتشهير بأي حد.
كنت عايزة عدالة، مش اڼتقام.
النهاية