مـ،ـ،ـأساة أب

للكاتبة سارة بركات

” إزاي تعمل كده؟؟؟ هي أحسن مني في إيه؟ والأربع سنين إللي بينا؟؟!!”

تلك الأسئلة المؤلمة سمعها ذلك الأب الذي مر صدفة على غرفة إبنته الوحيدة … جاحظ العينين لا يدري هل ما سمعه من وحي خياله أم أنه حقيقة … كيف؟! .. إنتبه لصوت بكائها العالى وهي ترجو من معها على الهاتف ..

“ماتسبنيش أرجوك، أنا بحبك وماحبتش غيرك …ألو .. ألو…”

نظرت إلى الهاتف بعدما أغلق الطرف الآخر وأجهشت بالبكاء تتذكر قصة حبهما .. أم قصة فشلها هي … جلست أرضا ضامّة جسدها لها ممسكة بالهاتف تضغط عليه بقوة وهي تبكي بشدة، لقد خانها … كل ذلك كان يحدث تحت أنظار أبيها الذي ينظر لها خلسة من خلال فتحة صغيرة من الباب واضعا يده على المقبض يرتعش جسده لا يدري من صدمته في إبنته أم لدموعها تلك؟، لا يدري هل يتحدث معها أم لا؟؟ إنه يعيش الآن مشاعر مختلطة .. يريد الدخول و الشجار معها على ما فعلته به وبنفسها كما أنه يريد أيضًا ضمها لصدره لكي يطمئنها ويخبرها أن كل شئ سيكون على مايرام، أن كل شئ سيمضي .. أغمض عينيه بقوة متنهدًا بصعوبة ثم ترك مقبض الباب وإبتعد من أمام غرفتها .. دخل غرفته وظل ينظر أمامه بشرود، يشعر بالخذلان من إبنته صاحبة التفكير العالي والمرموق، كيف تقوم بخيانة ثقته هكذا؟ .. وكيف تسمح لشخص غريبٍ بإذلالها هكذا؟ ظل يفكر كثيرًا فيما سيفعل، حتى قرر ثم نظر إلى ساعة الحائط إنتبه إلى قُرب موعد الغداء .. تعجب من أنها لم تُناديه وحتى لم يسمع خطواتها داخل المطبخ .. ذهب لغرفتها وراقبها وجدها مازالت تبكي، تنهد بحزن وذهب للمطبخ لإعداد الطعام بدلاً عنها .. نائمة على فراشها بعد أن هلكها البكاء بشدة على من سرق قلبها، الشخص الذي أحبته لأربع سنوات وهي سنوات الجامعة .. لا تًصدق أنه قام بخيانتها وذهب لخطبة فتاة غيرها وهي من كانت تقوم بمحايلته أن يأتي لخطبتها خلال تلك السنوات الماضية ولكنه كان يتحجج بظروفه المادية الصعبة وهي كأي فتاة أصيلة وعدته بأنها ستنتظره وستظل بجانبه .. “حمقاء” .. تلك الكلمة الوحيدة التي تصف تصديقها له .. وضعت يدها على موضع قلبها تشعر بالألم، لقد أرهقت قلبها ونفسها على علاقة لا يوجد لها مستقبل .. ظلت تنظرلسقف غرفتها بشرود ولم تنتبه على والدها الذي دخل للغرفة وتحدث بصوت يملأه المرح ..

ماهر:”مساء الخير ياقلب بابا.”

إنتبهت له عندما إقترب منها، قامت بمسح عبراتها بسرعة لكي لا ينتبه لها ولكنها فشلت في ذلك .. قام بتقبيل جبهتها وإبتسم بحب لها ..

ماهر:”إيه يا ريان مالك في إيه؟ إنتي معيطه ليه يا حبيبتي؟”

إعتدلت في جلستها وتحدثت بصوت متحشرج بسبب البكاء ..

ريان:”مافيش يابابا، أنا بس كنت بقرأ رواية وكانت حزينة شوية.”

إبتسم ماهر بحزن على كذبها الواضح وأردف بعقلانية..

ماهر:”برده روايات يا ريان؟ أهي الروايات دي بتودي في داهية وبتخلي عقل البنات يدور على الحب وخلاص بدون عمل أي حساب لأي منطق.”

لم تُجبه وظلت تنظر إليه حتى إنفجرت في البكاء وإرتمت في أحضانه .. شدد من ضمته لها وربت على ظهرها لعلها تهدأ قليلًا وبعد عدة دقائق .. إبتعد عنها وأمسك بذقنها يطالعها بحنان أبوي ..

ماهر:”كفاية عياط يا حبيبتي، مش رواية إللي تعمل فيكي كده إجمدي شوية .. يلا بقا عشان أنا حضرت الغداء ولازم ناكل أصل أنا جعان أوي.”

ريان بصوت متحشرج:”أنا آسفة يابابا، مانتبهتش للوقت عشان أحضرلك الغداء.”

ماهر:”ولا يهمك يا قلب بابا، يلا بينا نقوم.”

أمسك بيدها لكي يجعلها تنهض من الفراش .. كان يتناول الطعام أما هي كانت تنظر أمامها شاردة ولا تتناول من الطعام شيئًا، تنهد ماهر حينما رأى عدم تناولها للطعام وأخذ قطعة من طعامه وقدمها لها ..

ماهر:”الأكل الحلو ده رايح فين؟”

قرب الطعام من فاهها وهي نظرت إليه ثم إبتسمت بإرهاق وتناولته ..

ريان:”تسلم إيديك يا بابا.”

ماهر:”يلا كُلي قبل ما الأكل يبرد.”

بدأت بتناول طعامها معه .. مرت الأيام وكان ماهر يراقب حزن طفلته الوحيدة كان يشعر أنه مُقيد لا يعلم كيف يتصرف وفي يومٍ ما.. كانت كعادتها تجلس بغرفتها تنظر أمامها بشرود وإستفاقت من شرودها عندما جلس والدها بجانبها في فراشها ممسكها بيدها ..

ماهر بتفهم:”أنا عارف يا ريان إن مش رواية هي السبب في زعلك ده.”

نظرت إليه بأعين لامعة بسبب عبراتها المكتومة ..

ماهر بإبتسامة مهزوزة:”أنا مش عبيط عشان تضحكي عليا بكلمتين وفاكرة إني هصدقهم.”

ريان بدفاع:”يابابا…..”

ماهر مقاطعًا لها:”أنا فاهم إيه إللي حصل يا ريان ومش حابب أفتح في الموضوع، إللي عايز أتكلم فيه معاكي هو إن الحالة إللي إنتي فيها دي ماتنفعش .. لازم تفوقي لنفسك ومتوقفيش حياتك على إللي راح منك.”

ظلت صامته تنظر إليه، لا يفهم ما حدث لها .. لا يفهم شعور الخذلان الذي تشعر به..

ماهر مستأنفًا:”من ساعة ما أمك توفت الله يرحمها وإنتي بقيتي كل حياتي يا ريان عشان كده مش حابب أشوفك زعلانه أبدًا ودموعك دي غالية عندي يا بنتي، أنا بس عايزك تعرفي إن أنا هفضل دايمًا جنبك ومعاكي ومش هسيبك إلا إذا توفاني الله.”

ريان ببكاء:”بعد الشرعليك يابابا ماتقولش كده.”

قام بضمها لصدره مربتًا على ظهرها ..

ماهر:”عايزك تفوقي لحياتك يا حبيبتي،متوقفيهاش على حاجة وربنا يقويني وأقدر أساعدك في كده.”

إبتعدت عنه متحدثة بأعين لامعة..

ريان:”إزاي يابابا؟ قولي إزاي أنسى.”

ماهر بإبتسامة:”بصي لنفسك .. لحياتك .. قابلي أصحابك بتوع الجامعة وأخرجوا.”

ريان بحزن:”بس أنا معنديش أصحاب .. كل إللي كنت أعرفهم مع الأسف هما السبب في إللي أنا فيه ده دلوقتي.”

ماهر بمرح:”خلاص ننزل نخرج أنا وإنتي، إيه رأيك؟”

قامت بهز رأسها موافقة على حديثه ثم عاد وضمها إليه مرة أخرى ويُحدث نفسه ..

“مابالُكِ صغيرتي؟ لماذا صارت إبتسامتك باهتة هكذا؟”

…………………….

كانا يجلسان في مطعم قد دعاها به لتناول الطعام بالخارج ويُلهيها بالحديث عن عمله ولكنها كانت شاردة لا تستمع له كانت تنظر بحزن لذلك الذي دخل المطعم لتوه ويمسك بيد فتاة ترتدي محبس في يدها اليمني .. كان هو وتلك كانت خطيبته لم تشعر بعبراتها التي تهطل عندما رأت إبتسامته لتلك الفتاة .. كل شئ يفعله مع خطيبته كان يفعله معها .. إنتبه ماهر على نظرات ريان لشاب يجلس مع فتاة، شك بأن ذلك هو الشاب الذي جرح قلب إبنته عندما رأى عبراتها تهطل .. وقع قلبه في قدمه عندما رآها تنهض وتتحرك في إتجاههم .. كانت يتحدث بهيام مع خطيبته ..

؟؟:”أنا بحبك وعمري ماحبيت غيرك.”

“لا والله؟ أومال أنا كنت إيه؟”

قاطعته ريان الواقفة أمام طاولته تتحدث بجدية وشجاعة لا تعلم من أين أتت بها ..

“ريان!”

أردفت بسخرية:

“اه ريان.”

كاد أن يتحدث ولكن بخطوة سريعة منه أمسكت كوب المياة الموجود على الطاولة وقامت بسكبه في وجهه …

“دي عشان خُنتني.”

ثم وجهت نظراتها لخطيبته ..

“إتهني بيه، أنا خلاص رميته في الزبالة.”

ثم إلتفتت وتركتهم وكاد أن يلاحقها لينتقم من فعلتها تلك ولكن أوقفه يد ماهر الذي أمسك ذراعه مردفًا بغضبٍ شديد:

“جرب بس تفكرتأذيها ساعتها هيبقى بموتك.”

إلتفتت “ريان” مصدومة عندما سمعت صوت والدها يتحدث .. كاد أن يتحدث ذلك الشاب ولكن قاطعه ماهر بغضبٍ أكبر:

“قولت إيه؟؟ شكلك حابب تموت؟”

نظر الشاب حوله وجد جميع من في المطعم ينظرون إليهم .. هدأ وعاد إلى خطيبته والتي تنتظر منه تفسيرًا وتوضيحًا لما حدث للتو .. أما بالنسبة لماهر فقد عاد إلى إبنته دون أن يتحدث بكلمة وفي ذلك كان يقوم بمحاسبة المطعم على الطعام الذي تناولوه ثم خرج وهي تسير خلفه مُحرجة وخائفة في ذات الوقت من صمته الغريب .. عادا إلى البيت ولكنه لم يتحدث إليها تريد أن تتحدث وأن تعتذر له عما بدر منها في ذلك المطعم ولكنها خائفة من ردة فعله فهو يكون والدُها .. يجلس في غرفته مكورًا يديه بغضبٍ شديد يحاول أن يتحمل ما حدث اليوم .. لقد رأى نظراتها له .. رأى كسرتها وحُزنها .. رأى كل شئ .. على الرغم من أنها كانت تبدو قوية لكنها كانت تبكي بداخلها .. تصرخ به تقول له “كيف تفعل بي ذلك؟” .. تنهد ماهر وقام بمسح وجهه بيديه الإثنتين بقوة .. لقد عاد للمشاعر المختلطة مرة أخرى .. كيف يجعل إبنته تمر من علاقة عابرة وفي ذات الوقت قامت بخيانة ثقته بها؟ .. من ناحية يرى أنه يجب أن يكون الأب القوي الصلب الذي لن يمرر ذلك الأمر مرور الكرام .. ومن ناحية أخرى لا يريد لطفلته الحزن هكذا .. إستفاق من غفلته تلك على هاتفه الذي يصدر رنينًاعاليًا .. نظر لشاشة الهاتف ووجد إسم صديقًا قديمًا له أمامه .. إبتسم ماهر بترحاب وبدأ بالرد ..

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *