مـ،ـ،ـأساة أب
للكاتبة سارة بركات

أغلق ماهر المكالمة مع آدم وهو يتذكر طلب صديقة سعيد الحسيني عندما كان سبب إتصاله الأساسي أنه يريد إبنته عروسًا لإبنه وهو لا يرى أي فتاة غيرها مناسبة له .. فهو يعلم أن تربية صديقه القديم خير تربية .. يتذكر كم حاول التملص منه والتهرب في الحديث عن ذلك الأمر لكنه وجد حجة مقنعة له أن يتعرفا على بعضهما؛ فأخبره أنها ليست جاهزة الآن لمقابلة أي عريس لتتعرف إليه لأن نفسيتها سيئة للغاية وتحتاج لفترة نقاهة .. وهنا عرض عليه سعيد أن تعمل لكي تنسى ما يُحزنها وأن العمل هو أنجح الأشياء في تلك الأمور .. أخبرها فقط بجزءٍ من حديثه مع سعيد لكي لا ترفض الذهاب للعمل لكي تنسى ما يُحزنها .. وها قد نجح .. تنهد بإرتياح لمقابلتها لآدم هو شاب لطيف لبق سمع عنه كثيرًا من والده وهو مطمئن لتربية صديقه لإبنه أيضًا .. مرت الأيام والأشهر على ريان في عملها الجديد والتجربة الجديدة في حياتها وشعرت أنها بالفعل تنسى كل مايُحزنها وأصبح ذلك الشخص في عداد النسيان .. رأت كل ماهو طيب وخير من آدم وكان يساعدها بكل أريحية وكان متفهمًا إلى حد كبيرٍ معها في العمل.
كانت تجلس في مكتب الشركة تتابع العمل بجدية ولكنها خرجت من تركيزها على صوته ..
آدم:”مساء الخير يا ريان .. إزيك عاملة إيه؟”
ريان: بخير الحمدلله .. حضرتك أخبارك إيه؟”
آدم” الحمدلله .. بقولك في ميتنج بره النهاردة محتاجك تكوني معايا تسجلي كل حاجة هتتقال فيه.”
ريان:”أجهز على إمتى طيب؟”
نظر لساعة يده ثم إبتسم ..
آدم:”الأفضل دلوقتي، أنا هنتظرك في العربية تحت.”
هزت رأسها وسبقها نحو الأسفل وقامت بتجهيز حقيبتها ولكن بعد دقيقة إستوعبت أنها ستكون معه في سيارة واحدة وأنها ستخرج معه .. شعرت بالخجل والإحراج والتوتر في آنٍ واحد هل تفعل شيئًا خاطئ .. لا … إنه عملها .. ثم إن آدم شخصٌ خلوق لم ترى منه أي شئٍ سيئ .. قامت بتشجيع نفسها ثم أخذت نفسا عميقًا إذا إتصلت الآن بوالدها سيخبرها أنه يثق بها ولا حاجة لأن تقلق إن ذلك عملها ويجب عليها أن تتأقلم على ذلك ثم إن ذلك إبن صديق والدها المقرب وهو مديرها في العمل أي أنها لن ترى منه شئ سيئ بالتأكيد صحيح؟؟؟ .. نزلت من المكتب ثم توقفت أمام سيارته التي كانت في إنتظارها أمام المبنى .. كان ينظر إليها بهدوء وشعر بإرتباكها ثم إبتسم ونظر أمامه لكي لا يقوم بإحراجها أكثر .. بعد عدة ثوانٍ أخذت قرارها وركبت بجانبها ولكنها ظلت تنظر من النافذة التي بجانبها ولم تتحدث بأي شئ .. كان آدم متفهمًا كثيرًا لحالتها لذلك لم يتحدث في أي شئ .. وبعد عدة دقائق كانا يجلسان في فندق في صالة الطعام وينتظران أحدهم .. حتى أتى النادل يأخذ طلباتهم ..
؟؟:”تحبوا تشربوا أو تاكلوا حاجة؟”
آدم:”قهوة سادة.”
نظر النادل لريان وكاد أن يتحدث..
آدم بإبتسامة وهو ينظر لريان:”وقهوة باللبن صح؟”
إبتسمت بحرج وهزت رأسها .. دوّن النادل طلبهما ثم رحل ..
آدم:”أنا آسف لو ضايقتك في إني طلبتلك لو حابة حاجة تانية أنا ممكن ألغي الاوردر بتاعك … أنا بس عارف وواخد بالي إنك بتحبي القهوة باللبن فأكيد مش هتطلبي غيرها.”
ريان:”لا خالص ماتضايقتش وحضرتك طبعا حافظني جدا.”
آدم:”طب مالك بقا متوترة كده ليه؟”
ريان:”لا مافيش.. بس أول مرة أدخل فندق وكده حاجة جديدة يعني.”
أردف بإستفسار:
آدم:”مش بتحبي تغامري؟”
ريان بهدوء:”طبعا بحب أغامر بس في حدود الصح والغلط واه ممكن أكون غلطت كتير بس بحاول أصحح مساري.”
ظل آدم يطالعها قليلًا ملاحظًا توترها ثم أردف..
آدم:”ممكن أعرف إنتي متوترة ليه؟”
ريان بإستفسار:”عايز الحقيقة؟”
آدم:”أكيد.”
ريان:”أنا مع راجل غريب في فندق أيًا يكن المشوار ده إيه حاسه بشوية توتر حاجة جديدة وغريبة.”
حمحمت بإحراج وخجل ..
آدم بإستفسار:”طب وجيتي ليه؟ ، أو وافقتي تيجي الميتنج ده معايا ليه طالما دي حاجة غريبة عليكي؟”
صمتت ريان قليلَا تفكر بسؤاله ذلك ثم أردفت بعدم معرفة ..
ريان:”مش عارفة .. يمكن عشان واثقة فيك.”
كاد أن يتحدث ولكن قاطعه حديث الشخص الذي سيقابله ..
؟؟:”بشمهندس آدم .. إزيك؟ عامل إيه؟” إتأخرت عليك؟”
أجابه آدم بإبتسامة وهو يحييه:”لا طبعا متأخرتش عليا .. أعرفك ..”
قام بالإشارة إلى ريان … وأستأنف ..
آدم:”دي الآنسة ريان السكرتيرة بتاعة الشركة ودراعي الليمين.”
تعجبت ريان من تعريفه بها هكذا إلا إنها حاولت أن تقوم بإقناع نفسها بأن تلك طبيعة عملها بالفعل فهو يلجأ لها دائما في كل ما يخصه ويعتمد عليها بشكل كبير كما هو واضح .. هزت ريان رأسها لذلك الشخص تحية منها له .. ثم بدا الإجتماع والذي لا يخلو من نظرات آدم لريان المتبادلة بخصوص حديثهم السابق والذي قاطعه قدوم ذلك الشخص .. مرت الأيام ولم يُكملا حديثهما السابق بسبب كثرة إنشغال آدم .. وكانت ريان تساعده على قدر ماتستطيع فعله .. وفي يومٍ ما .. كانت تجلس بمكتبها في العمل بعد أن أنهت كل ماهو مطلوب منها وكانت تفكر بأحداث حياتها في الفترة الماضية حيث أنها بدأت إلى حد ما بالتخطي ونسيان الماضي المؤلم .. إستفاقت من شردوها على رنين هاتف المكتب ..
ريان:”ألو.”
آدم:”أيوه يا ريان .. في ضيف هيجيلي بعد شويه هحتاج منك الملفات إللي كنتي مجهزاها الصبح.”
ريان بإنضباط:”حاضر.”
أخذت تلك الملفات وأدخلتها له توقفت قليلًا بجانبه عندما رأته يقوم بمراجعتها .. وعندما إنتهى تعجب من وقوفها …
آدم:”إنتي واقفة ليه؟”
ريان:”أنا لقيت حضرتك بتراجع في الملفات دي فقولت أكيد هتحتاج تسألني عن حاجة.”
آدم بإبتسامة لطيفة:”أكيد لما هحتاجك هقولك وهنبهك بعد ماتديهالي ومش هسيبك متذنبه كده.”
شعرت بالإحراج ..
ريان:”طيب أنا هروح على مكتبي.”
آدم:”إتفضلي.”
من إحراجها بسبب ذلك الموقف لم تنتبه لدخول الشاب الذي يقوم بإعداد المشروبات .. كان يضع قهوة آدم على المكتب ولكن ريان إصطدمت به بقوة دون أن تنتبه ووقعت القهوة بالكامل على الملفات .. صُدِمت عندما رأت ماحدث بسببها ..
ريان بإعتذار وهي تحاول أن تقوم بإنقاذ ما لا يمكن إنقاذه:”أنا آسفة .. ماخدتش بالي .. آسفة بجد.”
كانت تقول ذلك الكلام وهي تقوم بتهوية الورق تحت أنظار آدم المتعجب والمصدوم في ذات الوقت بسبب ما حدث .. ثانية .. ثانتان .. ثلاثة … وإنفجر آدم من الضحك على مظهرها اللطيف ذاك .. أشار للشاب بالإنصراف بعد أن قام بتنظيف المكتب، أما ريان توقفت عما تفعله بسبب ذهولها من ضحكاته المستمرة .. إنتهى من الضحك ونظر إليها بهدوء ..
آدم بجدية زائفة:”أعمل فيكي إيه دلوقتي؟ ضيعتيلي شغلي.”
توترت كثيرًا ونظرت أرضًا بحزن منتظرة توبيخًا آخر يُسمعها إياه أو تنتظر أن يطردها من العمل بسبب الكارثة التي إرتكبتها ولكنها لم تنتبه .. رفعت رأسها عندما سمعت ضحكاته مرة أخرى ..
آدم بإبتسامة:”أنا بهزر معاكي يا ريان .. ماتقلقيش .. معايا نسخة من كل صفحة بس متفرقين هنجمعهم سوا مرة تانية مع إضافة الملاحظات والمناقشات، أنا وإنتي هنظبط الأمور ماتقلقيش الضيف لسه قدامه ساعة وهييجي .. أعتقد إن ده الوقت الكافي إننا نخلص الشغل أنا وإنتي سوا.”
هزت رأسها وبدأ الإثنان بالعمل سويًا .. قام آدم بخلع سترته وتشمير أكمام قميصه الأبيض .. وكانت ريان تحاول مساعدته على قدر ماتستطيع فتلك الملفات أخذت منها اليوم كاملا في تجهيزها فكيف لهم أن ينهوها في ساعة واحدة؟؟ .. بعد مرور ساعة ..
تنهد آدم بإرتياح وهو يبتسم ناظرًا لها مردفًا بمرح:”الحمدلله، خلاص خلصنا .. هي دي روح التيم وورك يا ريان.”
إبتسمت بإحراج وخجل من حديثه معها بتلك الطريقة .. مرت الأيام وكان الإثنين يعملان سويًا بروح فريق واحد وليس مدير وسكرتيرة أبدًا .. وفي يومٍ ما ..
كانت تجلس أمام والدها تتناول فطورها وترد على رسائل الواتس آب بينها وبين آدم والذي يذكرها ببعض الأشياء الهامة التي تخص العمل ..
ماهر بإستفسار:”مشغولة في إيه يا حبيبتي؟”
ريان بإنشغال:”آدم بيبعتلي كل المطلوب في الشغل النهاردة عشان هيتأخر.”
ضحكت عندما رأت جملته التي أرسلها توًا لها ..
ماهر بإستفسار من ضحكتها:”بتضحكي على إيه؟”
نظرت إليه بإبتسامة كبيرة:”ده بيقول إنه معتمد عليا جدا النهاردة وسايب الدنيا كلها بين إيديا، أنا خايفة أقفله الشركة بجد، ده أنا مصيبة مش عايزة أقولك يا بابا لحقني كام مرة في الشغل لما كنت بقرب أعمل كوارث مع العملاء.”
ثم أكملت ضحك، أما ماهر كان مستمعًا لحديثها بإنتباه وبإبتسامة …
ريان:”كان المفروض يرفدني مع أول غلطة .. بس لا .. فضل صبور معايا جدا، أنا حقيقي ماشوفتش حد كده، شخص غريب مش موجود في الوجود.”
حينما قالت آخر جملة كان هناك لمعة خافته في عينيها وهي تنظر في عيني والدها .. تنهد والدها بإرتياح؛ فقد إنتبه أن هناك قبول من جهة إبنته ناحية آدم .. فقد مرت الآن ستة أشهر على وجودها معه في العمل وقد كان يراقب ملامحها خلال تلك الأشهر في البداية كانت شاردة كعادتها لكن بمرور الأيام كان شرودها يختفي وإبتسامتها بدأت بالعودة رويدًا رويدًا ..
ريان:”أنا مضطرة أمشي بقا يا بابا.”
ماهر:”إستني يا ريان، في حاجة مهمة عايز أكلمك فيها قبل ما تروحي الشغل.”
ريان:”إتفضل يابابا.”
ماهر:”أنا في حاجة كنت عايز أفاتحك فيها من فترة كبيرة .. بس قولت إنه أكيد مش وقته.”
طالعته بإستفسار ..
ماهر:”أنا عارف إنتي مريتي بإيه ومش محتاج أتكلم في الموضوع ده تاني لإنه ماضي وإنتهى، والحمدلله إنتي بدأتي حياة جديدة ومشوار جديد والحمدلله إن ضحكتك رجعت تاني .. في حاجة أنا ماقولتلكيش عليها.”
ريان بإحراج من حديثه:”إتفضل يا بابا.”