أبويا ضربني في المطار

عارفة النهاية، ومع ذلك وافقت. حجزت التذاكر كلها باسمي. الفندق المطل على السين. التنقلات. حتى حجوزات المطاعم. ولما لقيت عندي نقاط كفاية لترقية كرسي واحد لدرجة الأعمال، قلت أهو أرتاح شوية بعد السنين دي كلها.
ولا مرة حد سألني: “إنتِ تعبانة؟”

يوم السفر كنت شبه ميتة من الإرهاق. داخلة المطار بكوباية قهوة باردة وعيني محمرة من قلة النوم. دانيال داخلة بفستان أبيض وكعب عالي، ماسكة الموبايل وبتصور كل حاجة للإنستجرام. أمي ماشية جنبها كأنها أم عروسة. وأنا؟ أنا كنت بجر الشنط.

عند الكاونتر، الموظفة ابتسمت وقالت: “آنسة فاليري، تم تأكيد ترقيتك لدرجة الأعمال.”

أنا حتى مبتسمتش… كنت بس مرتاحة إن الرحلة الطويلة هتبقى أهدى شوية.

لكن دانيال اتجمدت. لفتلي ببطء وقالت: “إيه؟ يعني أنا هقعد اقتصاد وهي لأ؟”

قلت بهدوء: “دي ترقيتي أنا.”

ضحكت بسخرية وقالت: “لا طبعًا… أنا محتاجة الكرسي أكتر. عايزة أوصل باريس مرتاحة.”

أمي دخلت فورًا: “فاليري متكبريش الموضوع.”

وأبويا قرب مني بنظرة أعرفها كويس… النظرة اللي قبل الانفجار. قال بصوت واطي: “ماتفضحناش.”

ولأول مرة في حياتي، قلت: “لأ.”

الكلمة دي نزلت عليهم كأني شتمتهم. دانيال بدأت تعلى صوتها: “أنتِ دايمًا غيورة مني! عمرك ما فرحتيلي!”

غيرة؟ أنا اللي دفعت تعليمها وحياتها وسفرها؟

قلت: “أنا تعبت… ودي تذكرتي.”

وفجأة لقيت القلم نازل على وشي قدام الناس كلها. صوت الضربة كان عالي لدرجة إن الكاونتر اللي جنبنا سكت. حسيت بطعم الدم في بقي. الموظفة شهقت. راجل كبير واقف بعيد قال: “يا جماعة اهدوا.”

لكن اللي وجعني مش القلم… اللي وجعني إن أمي بصتلي بقرف. بقرف حقيقي. وقالت: “أنتِ السبب.”

ودانيال؟ كانت بتبتسم.

في اللحظة دي حاجة جوايا ماتت. أو يمكن حاجة اتولدت. مش عارفة. لكني فجأة شفت عمري كله قدامي. كل مرة سكت. كل مرة دفعت. كل مرة انهرت لوحدي. وكل مرة صدقت إنهم يومًا ما هيحبوني لو عملت كفاية.

لفيت للموظفة وقلت بمنتهى الهدوء: “ألغي التذاكر التانية المرتبطة بالحجز.”

الصمت اللي حصل بعدها كان مرعب.

أمي قالت: “إنتِ بتهزري؟”

أبويا قرب مني بعصبية: “فاليري متلعبيش بالنار.”

قلت وأنا ببصلهم لأول مرة من غير خوف: “أنا مش بنك بتاعكم.”

دانيال

صرخت: “إنتِ مجنونة! الفندق باسمك!”
“أيوه.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *