رد الاعتبار

قلتله بمنتهى الأدب والجفاء: “البيت ده أنا خرجت منه من أربع سنين لما حدفتلي الجواب وقلتلي إنك مش مستعد تستثمر فيا. أنا يومها مشيت، وربنا هو اللي تولاني. الاستثمار بتاعك نجح النهاردة يا بابا.. منى اتخرجت، فروحوا افرحوا بيها. أنا خلاص، استثمرت في نفسي وبقيت صاحبة عمري”.
قفلت السكة قبل ما أسمع رده. مكنش قصدي قسوة، بس كان لازم يفهموا إن كسر الخواطر ليه تمن، وإن في حاجات لما بتموت جوانا مبيحييهاش بوكيه ورد ولا كلمتين حلوين في وقت مصلحة.
حطيت التليفون في جيبي، وبصيت لنفسي في مراية الكافيه. البنت اللي كانت واقفة قدامي مكنتش خايفة ولا شايلة هم بكرة. كنت شايفة إنسانة قوية، مأمنة بـ إن اللي معاه ربنا مبيلويش دراعه حد، وإن السعي الحلال والكرامة هما الرهان الوحيد اللي عمره ما يخسر.
بعد تلات سنين من اليوم ده، الدنيا لفت لفة مكنش حد يتوقعها.
كنت قاعدة في مكتبي الجديد في الشركة الاستثمارية الكبيرة اللي بقيت مديرة قسم التحليل المالي فيها، جمب شغلي كمعيدة في الجامعة. التكييف شغال، وقدامي لابتوب أحدث موديل، والقهوة بتنزلي بميعاد. افتكرت اللاب توب القديم والمكسور بتاع منى اللي بدأت بيه، وابتسمت وأنا بحمد ربنا في سري على كرمه وعوضه.
الباب خبط، والسكرتيرة دخلت وقالتلي بصوت واطي: “يا دكتورة، في واحد بره اسمه سيف الدين.. بيقول إنه والدك، ومعاه بنت. مفيش معاهم ميعاد بس هو تعبان جداً وبيترجاني يدخل يشوفك دقيقتين.”
قلبي دق بسرعة، بس ثبت نفسي وقلت لها: “دخليهم يا ياسمين.”
الباب اتفتح، ودخل أبويا. الزمن كان حافر في وشه علامات كتيرة، ضهره كان محني، ومكنش لابس البدلة الشيك اللي كان بيروح بيها حفلات منى.. كان باين عليه الهم. ووراه دخلت منى، وشها شاحب، باصة في الأرض، ومكسورة كسر عمري ما شفته فيها قبل كده.
وقفت ترحيباً بيهم من باب الذوق والأدب، وشاورت لهم يقعدوا.
أبويا بص للمكتب الكهرماني والشركات اللي برا، وعينه دمعت. قال بصوت مبحوح: “بسم الله ما شاء الله.. ربنا يزيدك يا بنتي.”
رديت بهدوء: “أهلاً يا بابا.. اتفضلوا، تشربوا إيه؟”
قال بسرعة وهو بيفرك إيده: “لا يا بنتي مش جايين نشرب.. احنا جايين في مصلحة، ومفيش غيرك بعد ربنا يقدر ينجدنا.”
بصيت لمنى اللي كانت بتبكي من غير صوت، وسألته: “خير؟ في إيه؟”




