رد الاعتبار

​أبويا اتنهد تنهيدة شقت صدره وقال: “جامعة النيل الخاصة والشهادة المنظرة اللي دفعنا فيها دم قلبنا منفعوش أختك.. منى اتخرجت ومشتغلتش، وقعدت في البيت. من سنة، جالي واحد اتقدم لها، قال إنه رجل أعمال وعنده مشاريع. وافقت وعطيته كل اللي حيلتي.. ومضيت على نفسي وصلات أمانة وشيكات عشان أجهّزها بأحسن جهاز عشان متبقاش أقل من حد. وفي الآخر.. طلع نصاب. أخد الفلوس والذهب وهرب، وأختك رجعتلي مطلقة ومكسورة، وأنا عليا حكم حبس تنفيذي الأسبوع الجاي بسبب الشيكات.”

​الوضوح كان صاعق. الاستثمار اللي أبويا راهن عليه بكل فلوسه وباعني علشانه.. انهار بالكامل.

​أبويا اتمرمغ في دموعه وقام من مكانه، وكان جاي يوطي على إيدي، فمسكته بسرعة ومنعته: “استغفر الله العظيم يا بابا! متعملش كده، اذكر الله.”

منى رفعت رأسها وقالت وهي بتموت من الكسوف: “الحقينا يا ياسمين.. أبوكي هيروح في الرجلين. أنا آسفة.. آسفة على كل يوم كنت بتباهى فيه عليكي وأنا عارفة إنك مظلومة.”

​قعدت على الكرسي بتاعي، وبصيت للسقف.. وافتكرت ليلة العيد الصغير وأنا باكل أندومي لوحدي وهما منزلين صورة السفرة. وافتكرت طردتي من الصالون. كان ممكن في اللحظة دي أتحول وأنتقم، وأقولهم “ذوقوا من نفس الكأس”. بس الإسلام وديننا علمنا إن العقوق مبيتردش بعقوق، وإن الأهل -مهما قسيوا- ليهم حق البر، والشهامة مابتتجزأش.

​سحبت دفتر الشيكات بتاعي من الدرج، وكتبت رقم المبلغ اللي عليه كله وزيادة.

​قطعت الشيك وقدمته لأبويا وقلتله: “ده شيك بالمبلغ كله.. تسدد الديون وترفع القواضي، ومحدش هلمس شعرة منك.”

أبويا مسك الشيك وهو مش مصدق، وبقى يبوس الشيك ويبصلي ودموعه مغرقة وشه: “سامحيني يا بنتي.. أنا ظلمتك.. أنا رميت الدهب في التراب وجريت ورا السراب! أنتِ اللي كنتِ الاستثمار الحقيقي.”

​ابتسمت ابتسامة هادية وقلتله: “أنا مسمحاكم من زمان يا بابا.. بس الشيك ده لله، ولأجل صلة الرحم اللي ربنا أمرنا بيها، مش عشان أثبتلك إني كنت صح. الفلوس دي فلوس شغلي وحلالي، وربنا هو اللي استثمر فيا لما أنتوا سبتوني.”

​وقفت وفتحت الباب: “تقدروا تروحوا تلحقوا الإجراءات.. وحمد الله على سلامة منى، ربنا يعوضها بالأحسن.”

​خرجوا من المكتب وهما بيدعولي في كل خطوة، وأبويا ضهره اتفرد شوية بعد ما انزاح من عليه هم السجن. قفلت الباب وقعدت ورا مكتبي، وبصيت للسماء وقلت: “لك الحمد والشكر يا رب.. أكرمتني وخليت إيدي هي العليا.. وعوضتني عن كل كسرة خاطر بـ مقام مكنتش أحلم بيه.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *