رد الاعتبار

مرت الأيام والشهور، وبقيت مركزة في طريقي وبس. الديون اتسددت، والموضوع عدا، ورجعت لحياتي الهادية بين مدرجات الجامعة ومكتبي في الشركة. علاقتي بأهلي بقيت قايمة على “البر” بحدوده الشرعية؛ بسأل عليهم، ببعت ليهم اللي يحتاجوه، بس في مسافة أمان واضحة.. مسافة بتحمي قلبي من إنه يتكسر تاني.
في يوم، جالي مكتب رئيس مجلس إدارة الشركة، ولقيت معاه دكتور رأفت بيل، أستاذي القديم اللي كان صاحب الفضل عليا بعد ربنا.
دكتور رأفت ابتسم أول ما شافني وقال: “يا ياسمين، أنا فخور بيكي كل يوم أكتر من اللي قبله. الشركة هنا بتكبر، والجامعة كمان محتاجة كفاءتك. بس النهاردة أنا جاي بصفتي رئيس لجنة صندوق ‘هاوثورن’ في الشرق الأوسط.”
بصيت له باهتمام، فكمل وهو بيسلمني ملف شيك جداً: “المنحة قررت تفتح فرع إقليمي دائم هنا في مصر، عشان تدعم الطلبة المتفوقين اللي بيمروا بظروف صعبة ومش قادره أهاليهم يتكفلوا بيهم. واحنا مش ملاقيين حد يمسك إدارة الصندوق ده ويكون رئيس لجنة الاختيار غيرك.. أنتِ أكتر واحدة حاسة بالشباب دول، وعارفة يعني إيه طالب بيعافر لوحده في الدنيا.”
في اللحظة دي، حسيت بقشعريرة في جسمي كله. دموعي نزلت من الفرحة.. ربنا مش بس عوضني، ده كمان بيستخدمني عشان أكون سبب في جبر خواطر ناس تانية عاشوا نفس وجعي. وافقت طبعاً ومن كل قلبي.
أول يوم بدأت فيه شغل في الصندوق، كنت قاعدة ورا مكتب اللجنة، وقدامي ملفات مئات الطلبة. فتحت أول ملف، وبدأت أقرأ قصص لشباب وبنات، أهاليهم اتخلوا عنهم، أو ظروفهم المادية وقفت ضد أحلامهم.
سحبت القلم الأحمر بتاعي، وبدأت أمضي بالموافقة على المنح، وأنا بفتكر نفسي زمان. كنت بكتب لكل طالب فيهم كلمة تشجيعية تحت إمضائي: “عافر.. أنت استثمار نفسك، وربنا دايماً جمب اللي بيسعى”.
في نهاية اليوم، خرجت من مبنى الصندوق، وكانت الشمس بتغرب والجو جميل. لقيت أبويا واقف مستنيني برا جمب عربيتي، ومعاه كيس أسود صغير.
قربت منه بابتسامة: “أهلاً يا بابا، واقف في الحر ليه؟ كنت اتصلت بيا طلعتك المكتب فوق.”
أبويا بص في الأرض بكسوف، وطلع من الكيس علبة قطيفة قديمة، وفتحها.. كان فيها “غويشة دهب” من بتوع أمي.
قال بصوت حنين مليان رجاء: “يا بنتي.. أنا عارف إن فلوس الدنيا كلها مش هتعوضك عن ليلة واحدة نمتي فيها زعلانة بسببنا. بس الغويشة دي أمك شايلاها من زمان، وقالتلي ادهالي لياسمين.. مش تمن لأي حاجة، بس دي الحاجة الوحيدة اللي حيلتنا دلوقتي ونفسنا تقبليها مننا.. كـ دليل إننا بنحبك، وإننا أسفين بجد.”




