روايه حلوه
مراتي رجعت من الشغل بدري لقت أبوها الغلبان راكع على ركبه في الأرض وبيمسح السيراميك بخرقة قديمة.. وحماتي قاعدة بتتفرج عليه وبتضحك وبتقول بقرف البيت بقى ريحته شبه زريبة الفلاحين!، مكنتش تعرف إن ليلتهم السودة بدأت خلاص، وإن الوجع والكسرة اللي في عين أبوها وراهم سر مرعب وتدبير شيطاني هيخليهم يركعوا كلهم تحت رجليها!
هو الراجل العجوز ده لسة مخلصش مسح وتنضيف؟ شوفوا إزاي خلى الصالة كلها ريحتها شبه أسواق الفلاحين والعفرة!.. الجملة دي أول ما سمعتها وخطيت رجلي جوة بيتي، جسمي اتسمر مكانه من الصدمة، وشنطة السفر لسة في إيدي، وتعب السفر والطيارة هادد حيلي. أنا كنت راجعة من أسيوط قبل الميعاد اللي مرتبة له؛ قعدت هناك قريبة من الشهر بقفل صفقة وعقود كبيرة لشركة المقاولات اللي شغالها فيها مديرة مشاريع. كان المفروض أغيب شهرين كاملين، بس الشغل خلص بدري، فقلت أرجع البيت ومأقولش لحد عشان أعمل مفاجأة لجوزي، شريف. بس الحقيقة.. أنا اللي اتفاجئت، والصدمة شلت حركتي! من الطرقة بتاعة مدخل الفيلا في أكتوبر، شفت المنظر اللي كسر حتة جوة قلبي وعمري ما هنساه؛ أبويا، الحاج عماد، راجل عنده سبعة وستين سنة شقي طول عمره في الأراضي الطينية وبيعافر في الدنيا، كان
راكع على ركبه في الأرض، وبيمسح بخرقة قديمة بقعة صلصة وشوربة ملقوقة من سبت خوص كبير، وجنبه بيض مكسور، وعيش بلدي متطوح، وبرطمان مش صعيدي معمل في البيت مكسور ومفرش في الأرض كأنه إهانة لعنوانا. وعلى الكنبة، كأنهم قاعدين في السينما بيتفرجوا على مسرحية، كانت قاعدة حماتي، الحاجة فايزة، وسلفتي، نيرمين، بياكلوا عنب وبيتفرجوا على التلفزيون ببرود! نيرمين اِبتسمت وبصت لأبويا وقالت بلوية بوز وقرف اِمسح كويس يا حاج عماد.. شاهيناز بنتك بتحب تتمنظر وتعمل فيها هانم، وبتتقرف لما البيت يبقى ريحته شبه طين الفلاحين والزرايب. حماتي طلعت ضحكة صفرا وقالت أنا قلت لشريف؛ هو أبوها كل ما ييجي هنا لازم ييجي شايل زنابيل الأكل دي ليه؟ إحنا مش محتاجين بواقي فلاحين في البيت ده، الثلاجة مليانة بخيرات الله ومش ناقصين الروائح دي. حسيت بدمي بيفور في عروقي ووِشي اِتحول للون الأحمر من الغضب؛ أنا اسمي شاهيناز، عندي ستة وتلاتين سنة، وبطحن في الشغل أكتر من اتناشر ساعة في اليوم عشان بيتي وحياتي ميتكسروش في يوم. البيت ده بيتي أنا، بفلوسي وشقايا وتعب ليالي ومؤتمرات وسفر ومحدش شال عني قرش، والكل بياخد حقه تالت ومتلت وفي ميعاده. شريف، جوزي، شغال مشرف في مصنع كرتون،
وعمري في حياتي ما عيرته ولا حسسته إنه بيكسب أقل مني، وعمري ما قلت له بلساني إني أنا اللي بدفع قسط الفيلا، والكهربا، ومصاريف علاج أمه، وحتى لبس ومنظرة أخته! بس إني أشوف أبويا الغالي راكع على ركبه في بيتي والستات دول بيعاملوه كأنه خدام عندهم، دي الخصلة اللي قطعت النفس من صدري! الشنطة وقعت من إيدي على الأرض برزعة عالية هزت المكان. التلاتة لفوا وشوشهم في نفس الثواني؛ نيرمين شِرقت في العنبية اللي في بقها، وحماتي اتنفضت من على الكنبة وعينيها طلعت لبرة من الخضة شاهيناز؟! أنتِ جيتي بدري إزاي؟ ده شريف قال إنك… مسمعتش باقي كلامها، ومشيت بخطوات سريعة وناشفة لأبويا، وطيت عليه وقلت يا بابا.. اِقف، اِرفع راسك. رفع وِشه يبص لي؛ قميصه كان متبهدل، وإيديه الشقيانة كانت بترتعش، وفي عينه كسرة وخجل هما اللي المفروض يداروا وشوشهم منها مش هو! همس بصوت يدوب طالع يا بنتي.. إيه اللي جابك دلوقتي؟. السؤال ده رعبني وصعب عليا نفسي أكتر من المنظر؛ يعني إيه اللي جابني؟ ده بيتي! قلت له بابا.. أنت بتعمل إيه؟ وراكع على ركبك بتمسح الأرض ليه في بيتي؟. أبويا نزل عينه في الأرض وقال بحرج السبت اتزحلق من إيدي وقلب الأكل، مكنتش عايز أعمل لكم قلق ولا أبهدل الدنيا.
لفيت وشي لحماتي بكل غضب ومحدش فيكم فكر يديله مساحة؟ أو يساعده؟ مفيش في قلوبكم دم ولا حياء وأنتم شايفين راجل كبير في سن أبوكم بيمسح تحت رجليكم كده؟!. نيرمين ربعت إيديها وقالت بقوة عين جرى إيه يا شاهيناز، متبدأيش خناق على الفاضي! هو اللي وقع الأكل يمسحه، وبعدين محدش ضربه على إيده وقاله ييجي شايل زنابيل ريحتها تقلب البطن!. قلت لها ونبرة صوتي مرعبة يا نيرمين، البيت ده بفلوسي وشقايا، وفي بيتي مفيش مخلوق يتجرأ يعامل أبويا المعاملة دي!. حماتي لمت نفسها بسرعة وعدلت طرحتها، وأخدت النبرة المظلومة المزيّفة اللي بتعملها دايماً عشان تظهر ضحية متهوليش الأمور يا بنتي! أبوكي جه فجأة وكان باين عليه متوتر ومش على بعضه، وقال عايز شريف في موضوع مهم، ولما وقع الأكل صمم يمسحه بنفسه وإحنا مغصبناش عليه. أمال فين شريف؟. الصالة نزلت عليها حتة سكوت مش مريح، وحماتي ردت خرج.. قالي وراه مشوار مستعجل وهيخلص حاجة. سحبت الموبايل من شنطتي وقلت تمام.. أنا هكلمه أشوفه فين. وفي اللحظة اللي كنت بفتح فيها الشاشة، أبويا كبس على معصم إيدي بكل قوته وبتوسل لأ يا بنتي.. عشان خاطري بلاش تكلِّميه!. بصيت له وأنا مش فاهمة حاجة؛ جبينه كان غرقان عرق، وعينيه مليانة رعب





