التسجيل الصادم

في اللحظة دي، جرس الباب رن.
شيرين استغربت، مكانتش مستنية حد في الوقت ده. قامت فتحت الباب، ولما فتحت، اتسمرت في مكانها من المفاجأة.
اللي كان واقف على الباب مكنش شريف.. كان إياد.
بس مكنش إياد القديم، صاحب النظرات المستفزة والهدوم البراندات. كان واقف وشه دبلان، خاسس النص، لابس هدوم بسيطة جداً وقديمة، وفي إيديه كيس بلاستيك صغير.
شيرين وقفت وبصت له بجفاء: “عايز إيه يا إياد؟ وجيت هنا ازاي وعرفت العنوان منين؟”
إياد مكانش قادر يبص في عينيها. عيونه كانت في الأرض، وصوته بيترعش وهو بيتكلم وكأن الكلمات بتطلع بطلوع الروح: “طنط شيرين.. أنا عارف إن ماليش حق أجي هنا، وعارف إن اللي عملته ميتغفرش.. أنا عرفت العنوان من عمو محمد أخوكي، فضلت أترجاه أسبوع كامل لحد ما وافق يديني العنوان بعد ما حلفته بغلاوة ولاده”.
شيرين فضلت سكتة، ملامح وشها معبرتش عن أي تعاطف: “قولتلك عايز إيه؟ أظن مفيش بينا كلام”.
إياد رفع إيده اللي كانت بترتعش، ومد الكيس البلاستيك ليها. شيرين بصت للكيس، ولما فتحته شافت حاجة خليت قلبها يدق بسرعة. جوة الكيس كان فيه علبة ألوان ماركرز مستوردة غالية جداً، نفس النوع اللي فريدة بوظته لجاسمين، ومعاها علبة غرا خشب نضيف، ومجسم صغير لطيارة خشبية متقفل بالمسطرة وجاهز على التلوين.
إياد دموعه نزلت: “أنا اشتغلت الصيف ده كله في ورشة نجارة في السيدة زينب عشان أجمع تمن الحاجات دي.. أنا عارف إنها متجيش حاجة في اللي عملته، بس كنت عايز أرجع لجاسمين حاجتها، وأقول ليوسف إني أسف.. أسف بجد”.
شيرين بصت للحاجات وبصت لإياد. شافت في عينيه انكسار حقيقي، انكسار مراهق اتقرص من الدنيا بدري وعرف مين اللي كان بيحبه بجد ومين اللي كان بيستخدمه.
“بابا اتنقل شقة إيجار قانون جديد في منطقة شعبية، وفريدة سابت المدرسة الإنترناشيونال..” إياد كمل وهو بيمسح دموعه: “أنا مش جاي أطلب فلوس ولا جاي أطلب نرجع.. أنا بس كنت عايز أقولك إني عرفت قيمتك.. وعرفت إن الأم مش بالدم.. الأم هي اللي بتشيل وبتصرف وبتحمي، وأنتِ كنتِ بتعملي كدة وأنا كنت عمي”.
شيرين حسيت بوجع خفيف في قلبها، بس افتكرت اللحظة اللي يوسف كان قاعد فيها بيعيط على طيارته، وافتكرت كلمة “أنتِ كرت زيادة”. القسوة متمسحتش تماماً، بس الإنسانية اللي جواها خليتها تمد إيدها وتاخد الكيس منه.



