روايه جديده

على برواز فيه رسمة عباد شمس متعلقة على حيطتي.
أنا كنت رسماها أيام الكلية. وكنت فاكراها ضاعت في العزال بعد الطلاق.
دورت عليها، قالها من غير ما يلف. كانت في كرتونة من كراتين البيت القديم. خليتهم يبعتوها.
مشيت وقفت جنبه.
الرسمة كانت مبهجة، وفيها تحدي كده. لون أصفر بيزق في سما فاتحة.
كنتي بتحبي الألوان، قال.
ولسه بحبها.
عارف.
صوته كان هادي.
وبعدين قال حاجة كان ممكن يكون ليها معنى أكبر لو اتقالت من سنة، بس برضه رشقت لأنها كانت طالعة بصدق.
أنا قضيت وقت طويل فاهم السيطرة على إنها اهتمام.
ربعت إيدي على صدري.
أيوه، قلت.
وإنتي قضيتي وقت طويل بتحاولي تنجي مني.
الجملة دي وجعت أكتر لأنها حقيقة.
بصلي. أنا مش بطلب أي حاجة.
أحسن.
ضحكة خفيفة مكتومة طلعت منه.
أنا بس بقول إني عارف إنتي ليه مقلتليش.
بصيت للرسمة تاني لأن في حقايق أسهل إنك تستقبلها وإنتي باصة لورد بدل ما تبصي للراجل اللي كسرك في يوم من الأيام.
إنتي بتكرهيني؟ سأل.
السؤال فاجئني.
مش عشان سأله.
عشان اكتشفت إن الإجابة اتغيرت.
لأ، قلتها أخيراً. أنا مش بكرهك. أنا بكره النسخة اللي كنت بتحولها وأنا بحاول أصغر نفسي عشان أليق على حياتك.
استوعب كلامي في سكون.
وأنا عمري ما هبقى النسخة دي تاني، ضفت.
مش هتبقيها، قال. أنا عارف.
عيد ميلاد ياسين الأول جه في يوم تاني من أيام إسكندرية اللي غرقانة في النور الرمادي الخاڤت، كأن المدينة كانت بتفكرنا القصة بدأت فين.
مروة أصرت على البلالين. أنا أصرت على عدد قليل من الضيوف. فريدة بعتت كارت ومعاه كتاب أطفال غالي بشكل مبالغ فيه. الحاج محمود جيه ومعاه قطر خشب منحوت وفي عينيه خجل حقيقي. حتى الحاجة زينب جت، بس بعد ما مازن أكد على الحدود تلات مرات، وبعد ما فريدة راجعت صيغة الدعوة لينا كلنا كأننا بنمضي معاهدة سلام.
ياسين لبس بلوفر صغير مروة كانت جيباهوله، وبدأ يفعص في التورتة بتركيز مرعب كأنه زعيم سياسي مستقبلي.
في لحظة من اللحظات، وهو قاعد في كرسي الأكل بتاعه والكريمة مغطية وشه كأنها ألوان حرب، مازن نزل على ركبه جنبه وضحك بانطلاق عمري ما سمعته منه أيام جوازنا. ضحكة حقيقية. مش مترتبة. مش متزوقة. ضحكة إنسان.
وقفت أراقبهم من باب المطبخ والطبق في إيدي، وحسيت بحاجة متوقعتهاش.
مش حنين.
ولا ندم.
راحة.
لأن أكتر حاجة كنت خاېفة منها من سنةإن رجوع مازن هيمحينيمحصلتش.
بالعكس، الحدود عملت اللي الحب مقدرش يعمله قبل كده.
خلت الاحترام شيء ممكن وموجود.
بعدها، لما الكل مشي والشقة بقت هادية ومفيش غير صوت غسالة الأطباق وصوت نفس ياسين وهو نايم طالع من جهاز المراقبة، مازن اتأخر شوية عند الباب.
يومه كان حلو، قال.
فعلاً.
وإنتي كمان.
ابتسمت ابتسامة خفيفة. أنا نجيت من طفل عنده سنة غرقان في الكريمة.
إنتي عملتي أكتر من إنك تنجي.
وقفنا هناك في النور الأصفر الهادي بتاع شقتينفس الشقة اللي الحاجة زينب قالت عليها عار في يوم من الأيام، نفس الشقة اللي حياتي كلها اتغيرت فيها لما دعوة فرح ظهرت في الطرقة كأنها ټهديد ملفوف في ورق غالي.
مبقتش حاسة إن الشقة ضيقة.
بقت حاسة إني كسبتها بجدعنتي.
أنا كنت قاصد اللي قلته، مازن ضاف. عن إني هفضل أختار اختيارات مختلفة.
بصيتله. يبقى تعمل كده عشان هو يستاهل ده. مش عشان إنت عايز تكفر عن ذنبك.
هز راسه ببطء. عدل.
مشي، وقفلت الباب وراه بالمفتاح من باب التعود أكتر من الخۏف.
وبعدين مشيت لأوضة ياسين.
كان نايم ومفرود على مرتبة السرير زي أي طفل ميعرفش إزاي في كبار حاولوا في يوم من الأيام يخلوا حياته عبارة عن سلطة، عار، ورث، أو منظر اجتماعي. إيد متنية جنب وشه. وشعره طاير من حتة واحدة بشكل مستحيل. ريحته كانت خليط من التورتة، صابون الأطفال، ونوم دافي.
وقفت حاطة إيدي على سور السرير، وسبت نفسي أحس بكل حاجة مكنش عندي وقت أحس بيها صح طول السنة الأولى دي.
الړعب.
الإهانة.
الڠضب.
ۏجع العملية والوحدة.
القوة المرعبة اللي الأمومة بتسحبها منك سحب لما ميبقاش عندك أي اختيار تاني.
أنا منتصرتش عشان مازن اختارني.
هو مختارنيش أصلاً.
أنا انتصرت عشان اخترت نفسي وابني، وفضلت أختارنا في الورق الرسمي، في الروتين اليومي، في رضعات نص الليل، في الردود الهادية، وفي كل حد حطيته عشان أقول إنك مش من حقك تحب الطفل ده بإنك تمحي أمه.
الناس بتحب تقول إن الحب كفاية.
لأ مش كفاية.
الحب
متابعة القراءة
صفحة
6
/ 7
انت في الصفحة 7 من 7 صفحات



